"العرب" تتهم قطر بإثارة الفتن في موريتانيا | صحيفة السفير

"العرب" تتهم قطر بإثارة الفتن في موريتانيا

اثنين, 17/02/2020 - 17:17

مدت قطر استثمارها السياسي في الصراعات الطائفية في موريتانيا، وتحريض بعض الفئات على السلطة بذريعة التهميش، ليكونوا نواة لتسويق مفردات الثورة والحراك هناك، وتعويض خسائرها من وراء إخفاق الإخوان في المهمة الموكلة إليهم.

ومن غير المتوقع أن يتوقف التحريض القطري ضد الحكومة الموريتانية في ظل استمرار تهميش الإسلاميين ونبذهم اجتماعيا، لذلك لجأت الدوحة إلى حضهم على مقايضة النظام تحت شعار، إما التشارك وإما التخريب، في سيناريو مكرر لما فعله الإخوان في كل بلد يريدون اختراقه.

ولم يكن مستغربا أن يثير موقف موريتانيا ضد خطاب العنف والتطرف الذي تقف وراءه جماعات الإسلام السياسي، غضب واستياء أطراف تدعم تلك الجماعات بمن فيها جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، فسارعت لالتقاط  خبر حول اعتقالات في صفوف ما وصفته بدعاة العلمانية، وذكرت أن من بين المعتقلين ثلاثة أشخاص يواجهون تهمة القيام بأنشطة تنصير تدعو إلى المسيحية بين موريتانيين.

وحسب مصادر صحافية، فإن التحقيقات التي خضع لها المعتقلون ركزت على «معرفة الجهات التي تقف خلف الائتلاف السياسي وتلك التي تموله». ويشير مراقبون إلى أن قطر هي أكثر جهة تحوم حولها الشكوك، نظرا لعلاقتها السيئة بالحكومة الموريتانية التي تحارب أذرع الإسلاميين.

مبررات الفتن

وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني قد افتتح مؤتمرا ضخما في العاصمة نواكشوط، امتد على مدى ثلاثة أيام من الجلسات والمناقشات، في الفترة من 21 إلى 23 يناير 2020، وشهد المؤتمر حضور 500 من العلماء والقيادات الدينية والسياسية، اتخذ خلاله موقفا موحدا ضد خطاب العنف في المنطقة.

وأكد الاجتماع في البيان الختامي على ضرورة التدخل العاجل للعلماء والقادة الدينيين “من أجل التصدي للعنف والتطرف الذي يتأسس على توظيف منهجية خاطئة في الاستدلال، ومفاهيم مغلوطة وتنزيل خاطئ للنصوص الشرعية”.

وألقيت خلال المؤتمر، الذي أشادت به جهات إعلامية عديدة، محاضرات عديدة من بينها محاضرة للشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء.

وخلص الشيخ عبدالله بن بيه، في محاضرته، إلى أن الواجب اليوم هو البَحث عن السَّلام ووقف الاحتراب، الذي أرهق الأوطان وأساء إلى الأديان، تلك هي المهمة التي ينبغي أن نضطلع بها جميعا، تَأصيلا وتوصيلا، وأن تعقد من أجلها المؤتمرات وتطلق لها المبادرات، وأن تكون “دعوتنا دعوة واحدة لإحلال السلم محل الحرب والمحبة مكان الكراهية والوئام بدل الاختصام، وأن نبحث عن مسوغات السلام بدلا من مبررات الفتن والحروب الجاهلية”.

واختتم بالقول إنّ الحديث عن قيم السلام والمحبة في القارة الأفريقية ليس بدعة من القول ولا بدعة من العمل، إذ لم تفتأ المجتمعات الأفريقية تقدّم النموذج الحيّ على الرواية الإسلامية الأصيلة من خلال عقدها الاجتماعي القائم على مبادئ التعايش والوئام، والمؤسس على التسامح والسماحة، عقد اجتماعي يحيل الاختلاف ائتلافا والتنوع تعاونا، ويرشح الحوار حلا للخلاف، والصلح علاجا للنزاع.

وركزت المناقشات على أنسب الوسائل والأدوات “لتفكيك الخطاب الأيديولوجي للتطرف، وتصحيح تحريفه للكثير من المفاهيم في المجالين الديني والسياسي، وتفسيره غير الدقيق للنصوص الفقهية المجتزأة من سياقاتها وعدم احترامه للعلاقة التي تحكم خطاب التكليف بخطاب الوضع”.

ويبذل علماء الدين في الساحل وغرب أفريقيا جهودا كبيرة من أجل إشراك الحكومات في الحرب ضد الإرهاب، من خلال استعادة الإسلام وإعادة هيكلة مفاهيمه وفق روح العصر، وتجديد صياغة الخطاب الديني، مع القيام بأعمال الوساطة والحوار وإعادة إدماج حملة الفكر المتطرف وتدريب الأئمة.

استقطاب الشباب

لن تنسى قطر اللطمة التي وجهها لها الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز، وجعلها تدفع ثمنا سياسيا باهظا، يتجاوز حدود موريتانيا، ففي 21 يونيو الماضي، قال الرجل، إنه ليس نادما على قطع العلاقات مع قطر، وشن هجوما لاذعا عليها، مؤكدا أن ما قامت به قطر تجاه بعض الدول العربية “يعادل ما فعلته ألمانيا النازية”، حيث أسهمت في خراب تونس وليبيا وسوريا واليمن، وتهديد أمن بعض الدول الأوروبية والغربية عبر دعمها للإرهاب.

وسخر آنذاك من تشدق قطر بالديمقراطية والحرية، حين قال “توجد ديمقراطية في نصف هكتار من هذه الدولة الصغيرة أُسّس فيه تلفزيون يتعرض لجميع الدول وله الحرية في الحديث عن كل شيء إلا ما يدور حول مقره.. قطر سجنت شاعرا لأنه انتقد حكامها، إنها تقمع الشعراء وتزعم نشر الديمقراطية”.

وتُتهم الدوحة من قبل جهات عديدة بأنها تقوم بتوظيف إخوان موريتانيا في اختراق المكونات السياسية، وضرب النظام الرئاسي الجديد بزيادة استقطاب الشباب للإيمان بأفكار الجماعة وتوجهاتها الدينية المتطرفة من خلال مراكز وجمعيات تعمل بغطاء إنساني.

وما زال النفاذ إلى مفاصل الحكم في موريتانيا حلما، تدرك الدوحة أن الطريقة الوحيدة لتحقيقه، تنطلق من دعم الجماعات المتطرفة، كما تفعل في بلدان أفريقية قريبة منها.

وكانت قطر قد لجأت إلى زيادة المساعي لتمكين الإخوان في موريتانيا اجتماعيا عن طريق مساعدتهم في إنشاء مؤسسات تجارية ضخمة، على غرار المتاجر الغذائية والصيدليات ومحطات الوقود ووكالات تأجير السيارات وبيع العملات الأجنبية في السوق السوداء، بعدما أصبح إرسال التمويلات مباشرة إلى الجمعيات الخيرية تحت رقابة حكومية.

هزيمة ساحقة

جهود قطر لم تتوقف في استمالة عناصر تنظيم القاعدة والجهاديين في موريتانيا لخلخلة الاتفاق الموقع بينهم وبين الحكومة، بحيث يتم استقطابهم تحت لواء جهات تابعة لها لترميم تآكل جماعة الإخوان.

كما لم تفلح محاولات قطر في إبعاد موريتانيا عن محيطها العربي، حيث بدأت نواكشوط تعيد ترتيب علاقاتها، بما يجعلها عنصرا فاعلا في الحرب على الإرهاب ومواجهة المتطرفين، وهي إشارة كفيلة بوضعها في المعسكر المناهض للدوحة.

كل يوم تخسر قطر أرضا عربية بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية للكثير من الدول، وتصميمها على دعم الجماعات المتطرفة فيها، كأداة للتأثير في التطورات المحلية، وضمان الحصول على نفوذ يمكنها من تحريك الأحداث نحو الجهة القاتمة التي تريدها، وتعتقد أنها تتحكم في الكثير من الأمور، ما يضفي عليها بريقا بالقوة الزائفة.

ورفع اتساع دائرة التقارب بين موريتانيا والكثير من الدول العربية، سقف التوقعات بقيام قطر بزيادة تغذية التوترات في هذا البلد لتحجيم محاولات الحكومة دعم أواصر علاقاتها في المحيط العربي المعادي للسياسات القطرية.

وتنظر الدوحة إلى زيادة الحضور الخليجي، الإماراتي والسعودي، على المستوى التنموي في موريتانيا، على أنه هزيمة ساحقة لها، بعدما تحججت بأن دعمها لعناصر الإسلام السياسي، يستهدف تحسين الأحوال المعيشية وضخ أموال لانتشال الاقتصاد من أزماته.

ويربط مراقبون بين تركيز قطر على موريتانيا، وبين المشكلات التي يعاني منها تيار الإسلام السياسي في القارة الأفريقية، حيث تريد الدوحة الاستفادة من تجذره في هياكل الدولة، وتوفير الكثير من أوجه الدعم كي تتجنب التداعيات السلبية التي حدثت لحلفائها في السودان، عقب سقوط نظام الرئيس عمر حسن البشير.

كما تسعى إلى إفشال محاولات فرنسا والولايات المتحدة في مسألة تكثيف ضرباتهم الأمنية ضد التنظيمات المتطرفة في دول الساحل الأفريقي، فقوة المتشددين في موريتانيا يمكن أن تمثل رافدا مهما “لإخوانهم” في هذه الدول، وتضاعف من صعوبة الاستهداف.

ذريعة التهميش

ترى القيادة القطرية أن تقوية أذرعها الإسلامية في موريتانيا تسهم في زعزعة استقرارها كمدخل لإحكام قبضتها على محور مهم في المنطقة، يضم بجانب موريتانيا مالي وغينيا، وتسعى الدوحة للاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز على المحيط الأطلسي في عمليات تسهيل نقل الإرهابيين من وإلى أفريقيا.

وانتبهت الحكومة الموريتانية إلى هذه المحاولات واتخذت سلسلة من الإجراءات التي ساهمت في محاصرة الجماعات الإرهابية وسد الكثير من المنافذ، وفي مقدمتها رقابة تمويل الجمعيات الأهلية والمراكز التعليمية والخيرية التي تعتمد على الدوحة، والتي دأبت على نشر الفكر الجهادي وتتلقى أموالا طائلة لدعم أنشطتها.

كل يوم تخسر قطر أرضا عربية بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية للكثير من الدول وتصميمها على دعم الجماعات المتطرفة

تتعامل الدوحة مع جماعة الإخوان في موريتانيا على أنها ظهير قوي لها، حيث تتحرك أذرعها السياسية وفق توجيهاتها وتنفذ أجندتها دون أدنى ممانعة. وبعد الضربات التي تلقتها بسبب الرفض المجتمعي للحضور القطري، بدأت إستراتيجية جديدة تقوم على إنشاء مراكز تهتم بنشر الأيديولوجيا المتشددة على غرار مركز تكوين العلماء، وأفرع جمعيات “يد بيد” الناشطة في المجال الثقافي، والإصلاح والتربية التي تهتم بالنواحي الاجتماعية.

ودأبت قطر على توظيف أذرعها من الإخوان والمتطرفين المقيمين خارج البلاد، في توسيع الهوة بين الشارع والحكومة، مقابل توفير الدعم لهم، بحيث يتم تشكيل تحالف تستطيع من خلاله ضرب استقرار الحكم وتغذية التشدد نكاية في النظام الحالي الذي يدين الدول الراعية للإرهاب، ويدعم التصورات التي تتبناها الدول العربية المقاطعة للدوحة.

 

المصدر