العدل بين التاجر والمواطن: ركيزة الاستقرار الاقتصادي في زمن الأزمات | صحيفة السفير

العدل بين التاجر والمواطن: ركيزة الاستقرار الاقتصادي في زمن الأزمات

اثنين, 29/06/2026 - 12:23

في لحظات الرخاء، قد تبدو العلاقة بين التاجر والمواطن مستقرة بطبيعتها، تتحرك وفق آليات العرض والطلب دون احتكاكات حادة. لكن في أوقات الأزمات الاقتصادية—حين ترتفع الأسعار، وتتقلص القدرة الشرائية، وتزداد الضغوط على سلاسل التوريد—تتحول هذه العلاقة إلى اختبار حقيقي لصلابة الاقتصاد وعدالة منظومته. عندها فقط يظهر بوضوح أن العدل بين التاجر والمواطن ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية لضمان الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى.
التاجر، بوصفه فاعلا اقتصاديا رئيسيا، يسعى بطبيعة الحال إلى حماية هامش ربحه في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع التكاليف. وفي المقابل، يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع هذه التحولات، حيث يصبح أي ارتفاع في الأسعار عبئًا يوميًا يمس قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية. وإذا تُركت هذه العلاقة دون ضوابط، فإنها تنحرف سريعًا: إما نحو استغلال يرهق المواطن، أو نحو تضييق مفرط يخنق التاجر ويشل حركة السوق.
هنا يبرز الدور الحاسم للدولة، لا كطرف منحاز، بل كضامن للتوازن. ففي أوقات الأزمات تحديدًا، تصبح الدولة مطالبة بتعزيز أدوات الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم خنق المبادرة الاقتصادية أو تثبيط الاستثمار. فالتدخل الذكي لا يعني فرض قيود عشوائية، بل وضع أطر شفافة تضمن وضوح التكاليف وهوامش الربح، وتُسهل تدفق السلع، وتمنع الاختلالات الكبرى في السوق.
كما أن دور الدولة يتجاوز الرقابة إلى الدعم المباشر وغير المباشر. ففي ظل الأزمات، يصبح من الضروري تخفيف العبء عن المواطن عبر سياسات اجتماعية موجهة، مثل دعم السلع الأساسية أو التحويلات النقدية للفئات الهشة، وفي الوقت ذاته مساندة التاجر عبر تسهيلات ضريبية أو لوجستية تساعده على الاستمرار دون اللجوء إلى رفع الأسعار بشكل مفرط. هذه المقاربة المتوازنة تخلق دائرة إيجابية: استقرار في السوق، وثقة لدى المواطن، واستمرارية في النشاط الاقتصادي.
إن غياب هذا التوازن في أوقات الأزمات قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، تبدأ بفقدان الثقة في السوق، وقد تنتهي باضطرابات اجتماعية واقتصادية أعمق. لذلك، فإن نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرتها على إدارة التوازنات الدقيقة بين مختلف الفاعلين، خاصة في الظروف الاستثنائية.
في النهاية، يظل العدل بين التاجر والمواطن حجر الأساس لأي اقتصاد قادر على الصمود. فهو ليس مجرد شعار يُرفع، بل ممارسة يومية تتجسد في السياسات والإجراءات، وتظهر قيمتها الحقيقية حين تشتد الأزمات. والدولة التي تنجح في تحقيق هذا التوازن، إنما تؤسس لاقتصاد أكثر إنصافا، وأكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة
المستقبل بثقة.

________
د/ختار الشيباني
أستاذ الاقتصاد بجامعة نواكشوط، وزير سابق