جدل الوجود في ظل الغياب | صحيفة السفير

جدل الوجود في ظل الغياب

سبت, 11/03/2017 - 11:41

التسكع بين الأزقة المرملة في عصر الجسور المعلقة..
يا لضعف ساحتنا الثقافية حيث لا وجود البتة للإبداع و العطاء؛ ساحة خاوية، كئيبة رتيبة و إن أحسست تململا بها فبإرادة خارجية و محتوى إن لم يكن غرضيا موجها فسباحة مجانية في سفر ثقافة العولمة. بالأمس حضرت ندوة حول رواية "مغربية" أشبعها بحماس نقادنا الجامعيون المتخصصون في النقد تعريفا و دراسة و تقديرا لفرط غياب الأعمال المحلية بين أيديهم و على رفوف مكتباتنا. فهل يبشر الأمر بقرب انتباهة و سعي إلى مراجعة واقع التردي أم أننا بدون فقط لا نملك إحساسا بالهوان الثقافي الذي يغرقنا يوما بعد يوم إلى الودجين، و أننا نؤمن مرضيا لخصوصيتنا بالمعجزات و الخوارق.. فقريبا عندما يطبق علينا صمت غياب السرد البناء و الجاد سنفيق على اسم جديد هو "بلاد المليون كاتبا" سنرفعه شعارا تمجده قصيدة شعر.. و لكن ما هكذا يا سعد تورد الإبل. فالثقافة همة و إرادة و عزم و طموح و إبداع وصناعة و عنوان، لا تفرض و تؤكد وجودها الزائف العنترياتُ و ذر الرماد في العيون و جرأة و حماس الضعيف إلى الشجار قبل السقوط في حبائل الهزال و الهوان و جدل الوجود في ظل الغياب.  
نفاخر بأننا "الشعراء" في عصر أصبح فيه الشعر "جوهرة" كريمة في صحن الأدب يُحتفى لندرته بأهله في مواسم النضج و القطاف، و ما نحن اليوم بحَافظي قدره، و لا رافعي مكانته أو معلي شأنه، و لا مزكي طيب منبته في أعماق الروح السامية، و لا صائني جزيل عطائه من غث التعاطي و سوء الإنشاد على الرغم من أن أجدادنا كانوا على خشونة الطبيعة و وعورتها ينضحون شعرا سائغا يعشب بألفاظه الجزلة صخور الجبال و يورق و يفتق بأنغامه الساحرة زهور الأمل في السهول و يشق في الهضاب بإيقاعات أوزانه العذبة جداولا تسقي العروق بفيضها الدافق حب الوطن فتجعله في الأعين أجمل و أغلى من الشام.
و إذ نحن اليوم شيع و ملل تتقاسمها تيارات التجاذب الديني التي قسمت جسم الأمة الإسلامية و عرضتها للاقتتال و الهوان فإننا - في ضعف المتمسك بقشة قدرية خوفا من الغر ق في بحر التراجع - نفاخر بأن أجدادنا (و.. تلك أمة قد خلت) كانوا أهل علم غزير تكاد تشق أكباد الإبل - شرقا و غربا و جنوبا و شمالا،  من "الحجاز" و "نجد" إلى "الشام" و "العراق"، و من "القيروان" و الجزائر إلى "مراكش" و "فاس" وصولا إلى بلاد الزنج حيث نشروا الرسالة المحمدية الأشعرية السنية المالكية- فلا يوجد علماء كعلماء "شنقيط" المجيدين، المفتين و المجتهدين إذا استعصت النوازل و بلغت في وعورتها زبى القول و الاستدلال.
وجهان شاحبان يخالطان هوان النخب الجديدة التي نهلت من شتى العلوم و المعارف في جامعات العالم و معاهده العليا و لم تقدم على ترجمة ذلك إلى عمل ميداني يحفظ جميل الماضي الذي ولى، يرفع صرح حاضر معتل و يطرد الضباب عن واجهة مستقبل لا تباشير له.
فهل المسار لا بهذا معطل و آفاق البقاء مسدودة... تسلط و جرأة عل الشعر ... تعثر في الحفاظ على صحيح الملة ... و عجز عن رفع تحدي الدولة الحديثة و التسكع ببلادة السكران بين الأزقة المرملة في عصر الجسور المعلقة و الأنفاق المضاءة و الساحات الغناء المعشبة المزهرة و الفنون الراقية و النفوس المتوازنة بين كفتي الثقافة العالية و العلم الرصين المثمر؟
 
فرنسا تحمي لغتها بفرض علميتها
عجيب أمر فرنسا مع لغتها. إنها تدافع عنها في كل صغيرة و كبيرة و شاردة و واردة فيما الآخرون يلهثون وراءها و يتبنون التحامها بمفردات كا المهن وعلمية كل المجالات. تابعت اليوم على قناة فرنسا24 عنصرا إخباريا مثيرا يتعلق برفض اكتتاب غير ناطقين بالفرنسية في ورش عمل البناء و المصانع و كل أداء مهني و خدمي. إجراء واضح التعصب للغة الفرنسية و جاد في تحميلها القدرة التقنية و المهنية و العلمية بشكل مطلق. فأين أهل الضاد من مثل هذا الاعتزاز؟ و هل يظلون في حل من العلم و لغة البناء الهيكلي و التنموي ؟
متى يرفع للبلد علم في القرية الكونية؟
يزين و يرصع جيد البلدان من حولنا بحلي من نفائس الرجال و النساء شيبا و شبانا حاملين ألويتها عاليا و راياتها خفاقة في أرجاء العالم بالحضور الحافل بالعطاء و الإضافات النوعية في مجالات العلوم التجريبية و التطبيقية من علم الذرة و الأجرام السماوية في فسيح الكون، و الطب في دقائقه و المحيطات و البراكين والنباتات، و ضروب العلوم الإنسانية و الفلسفة، و علم النفس و الحقوق و الآداب و الألسنيات و غير ذلك في مجال الفن الوسع من سينما و موسيقى و مسرح و في الرياضة بكل أنواعها حتى باتت آثار تفوقهم تلبس كل الجنسيات و نبوغهم عناوين و محطات بارزة في مسارات بلدانهم التنموية و علامات فارقة في حضورهم لصياغة مستقبل الأرض على ضوء التحولات الكبرى التي تشهدها بما يبدع العقل بمنتهى العبقرية. يحدث مثل هذا التزاحم في القدرات العقلية ذات الطموح الجامح من حولنا في المغرب و الجزائر و مالي و السنغال وتغص المجامع العلمية حول العالم بعلمائهم و باحثيهم يطبقون فيها و يجربون و يرفعون عناوين لبلدانهم... و لا ذكر لنا. و لكن كيف يذكر من لا يهمه مسار بلده و لا يخطط لتنميته و رفع سمعته و علو لشن حضوره؟ إن أزقتنا المرملة و انقطاع التيار الكهربائي المزمن و غياب البنى التحتية من طرق و مدارس و تدني المستويات في التعليم و ضعف التغطية الصحية و التباين الصارخ و الفظيع بين الأغنياء من المال العام و تبيض مداخل و مرور الممنوعات و غياب الجمركة و التهاون بالضرائب، و بين الفقراء الموزعين بين ضعف القدرة العقلية و العضلية عن الإتنتاجية و الكسل المكتسب و المعشعش في السلوك و العقليات و غياب العدالة و كثرة الصراعات البينية على خلفية الاعتبارات السقيمة من مخلفات و إملاءات الماضي الطبقي الظلامي و خشونة الممارسة السياسية ذات الأهداف المنحسرة في طلب الحكم للتحكم في الرقاب و دق إسفين التخلف عن ركب الأمم... فهل هذا قدر بلاد المليون ... متخاذل؟    
لغة الضاد في وحل المفردات الدخيلة
مما لا شك فيه أن أحد أهم العوائق التي تحول دون التمكين للفصحى في المنطوق اليومي هو ما تعج به و بالعشرات لهجة "الحسانية" - المشتقة منها مثل كل لهجات الشعوب العربية الأخرى - من ألفاظ غير عربية من مثل (أركاج، بشور، اكحز، آنبيبيل، كابظ، متفكرش، اتخوريج، لفكايع، الداغي، لبريم، إزيلف، الديك، اتزيليف، كوش، دبز، اتنهويل ، بقج، خز، المدفع، البط، إكد، واخظ، اكرد، اتكوطير، اتخوم، اتوزكيج، اتحمج، التشبار، يزفط...) و عديد المفردات العربية في الأصل من المصدر و لكنها المُربكة بعد الانحراف من خلال استخدامها في غير هحلهت و بعد عن معانيها من مثل (رد، شد، اتخيم، جبر، دكدك، دافع،) و الأفعال المصرفة بمقاصد في حل من معانيها الأصلية (تكبظ، إعدل، إجيب، يرفد، إهم، إواس، إشوري، اندر، خلص،. خرص، واس، اللبنة، باحرين..) و أجنبية لا تكاد تحصى تغلغلت (البط، الطاس، الديميس، المرص، التيتير، مارو، مبور، ابلاص، الوت، فرجدير، أطل، اتبتيب، مكزين...). و في هذه الوضعية المشينة للغة عظيمة و غنية إلى حد الإعجاز فإن الأولوية تبقى القيام بجمع كل هذه المفردات في و استبدالها بالمقابل لها في العربية و رصد الأفعال و تصويب استخدامها حتى تتم تنقيتها مما ليس لها به بد فيستوي العود و يستقيم الظل و تقترب الحسانية من أخواتها في الأقطار العربية الأخرى التي نفهمها من الخليجية و الشامية و المصرية و السودانية إلى التونسية و الجزائرية و المغربية و يتعذر على الغير من الإخوان فهم لهجتنا لما تغرق فيه من معوق الفهم لفظا و صرفا عن استقامة المدلولات و المعاني. فهل نبتعد عن عقدة الادعائية قليلا و نعد لمستقبل لغة الضاد في أرض "المليونية"؟
عندما تسد المساك أمام الحداثة
و تستمر مهزلة التأخر في عصر الفتوحات العلمية الهائلة و الفكرية المتنورة  و الثقافية المورقة و كأن أهل البلد مدمنو الظلامية و غواة الاستنكاف عن التحضر و حيز العدالة فيه التي يفرضها الجوار الثابت و الاحتكاك التلقائي و التكامل بالضرورة و النتيجة.
لوحة بكل ألوان الهوان القاتمة لواقع مجرد من مقومات الحداثة فَلا يُرَى تَسجِيلٌ لمآثرَ تنموية يُترجمها حراك العمل الميداني المكثف، و لا حُضورٌ لمظاهرِ رهَافة الحس من مسارح و مكتبات و ساحات استرخاء و استجمام. و أما مظاهر الظلم و الإقصاء فعملة متداولة في مصارف التعامل اليومي شيدت بأيدي عتاة نحتوا بناياتها من صخور انتماءاتهم القبلية و عقلياتهم الماضوية و روح المغامرة الدفينة لديهم، و عمروها برؤوس أموال من خزينة الدولة و أخرى بالتبييض، و لا أحد يجرؤ على نبش قبور النوايا و الأفعال الأولى التي صنعت هذا الواقع و تستمر. و ليس الوجه الآخر للحيف بأقل بشاعة على الجميع بأيدي المسؤولين من بروجهم المؤسسية كل يتصرف و كأنه ماله و عشيرته التي تؤويه، يشغل و يقدم للوظائف من يشاء، يمول و يزود بالمال و القروض و الإعانات من يريد فيقصي و يغبن و يهمش من يختار و لا راد لقضائه في دائرته. و إذ الأمر شامل و الظلم فيه تحت كل جناح فإن ذلك يكشف الغطاء عن بقاء القبلية و العشائرية و الطبقية حية كما كانت و إن التعامل من منطلق حكم "السيبة" لم يرتكس يوما يُذَكِّرُ به كل لحظة الانتجاع الدائم في جميع الفصول بين مرابع الوزارات القبلية و الإدارات العشائرية و المصالح الإثنية و الأقسام الطبقية أمرًا لا يمنع التأكد منه إلا ما هو حاصلٌ من مُطْبُقِ الصَّمت المَضرُوب حوله. 
استهلاك مهين و تأخر مشين
نساءنا يتبادلن الرأي حول نوعيات قماش ملاحفهن و فساتينهن و الملابس الداخلية و لا مصانع في البلد تصنع لهن على أذواقهن و مقاساتهن، و سمعتهن يتبادلن حول صيحات الموضة في و العطور و المراهم و الحلي و الأصباغ و لا مختبرات أو مصانع تنتج لهن ما يناسب بشرتهن و مناخ بلدهن. و رأيت رجالنا يتهافتون على قماش "دراعاتهم" و "سراويلهم" مستوردا من ألمانيا و هولندا و الصين و كوريا و بلدان أخرى و لا مصنع في البلد يلبي الحاجة و يحفظ العملة الصعبة. و رأيت أولاد الأغنياء يتهافتون على المحلات التركية و الفرنسية و الصينية التي انتشرت كرذاذ مطر الخريف، و أولاد الفقراء على محلات المستورد من المستعمل سلفا من قماش الأوروبيين و الخليجيين و غيرهم من الأمم المترفة و لا مصنع يلبي حاجات هؤلاء المعول عليهم في بناء الحاضر و تأمين المستقبل، و رأيتهم يبحثون عن أدواتهم المدرسية كلها من منتج العالم و لا ورش أو مصانع تزود المدرسة بمستلزماتها. فهل الوضع سوي بهذا الوجه من الاستهلاك المهين و التأخر المشين؟ من عنده إجابة غير مستوردة في ظل غياب مصنع التعبير المستقيم عن الواقع السقيم؟
 
غياب الحس الإقتصادي        
من العجيب المحير أننا لا نمتلك بوصة نقدية ككل دول لعالم نتابع من خلالها الحركة الاقتصادية للبلد بأوجهها المختلفة في سياق الحراك و التحولات العالمية الجارية من دون توقف حوله و كأن ساكنته على كوكب غير الأرض و صادراته و وارداته تمر عبر قناة "برزخية" و لا تخضع لموازين العملات و دور مقدراته الوطنية المنوط بها ضمان اقتصاده و المحافظة على مصالحه في حركته و نشاطه و في الادخار و التبادل و المقايضة و المرابحة و إرساء قواعد التنمية الشاملة. صحيح أن غياب المصانع و منتوجها و الورش الإنمائية الكبرى يفقد إحدى الكفتين و يخضع لوجهة واحدة تتعلق بتصدير المقدرات الخام على أسس أسعارها العالمية المجحفة غالبا.
و المحير أكثر أن رجال الأعمال الكثيرين لا يهمهم أمر "بورصة وطنية" يحسبون أنها قد تحاصر مصالحهم الضيقة و الأحادية المصدر المتمثل في حلب ثديي الدولة و الحصول على أجزاء من المداخل من التصدير دون التحويل و التصنيع.
و الغريب بالنتيجة لكل ما سبق أن أهل السياسة "موالين" و "معارضين" و "فاعلين" بمجمل طيف المجتمع المدني في عم كلهم أو شعل عن هذه الوضعية المحيرة أو جهل بها، و لكنهم يعلمون علم اليقين أن ما يجنونه من مال يوفر لهم رفاها على حساب الشعب لا تغيب مصادره عن دائرة المال العام و إن اختلفت الطرق و لا عن استدرار المساعدة الخارجية بألف وسيلة و وسيلة.
 
من الواقع المر.. مواطنان تفصلهما لغة واحدة
و إذ يقول أحد الفلاسفة الامريكيين إن "الشعبين الأمريكي و الانجليزي "شعبان" تباعدهما لغة، فإنني و بعد أن اطلعت على بعض كتابات قوية لعدد من أساتذتنا الأجلاء هالتني بروعتها من حيث الألفاظ الجزلة و الأساليب الرصينة المنمقة و المرصعة بحلي لغة الضاد القشيبة الدرية، و إذ بقيت مع ذلك على أشد الظمأ حيث تعذر علي إدراك كثير مضامينها و أقل سبر بطاقتي لمعانيها و استخلاص لإشباع بعض فضولي المعرفي و سد ثغرات في جدار جهلي السميك، خلصت مكرها إلى أن المتحدثين عندنا طبقتين تبعدهما عن بعضهما لغة واحدة. و لما أن أردت تعلة لنفسي بعدما ضاقت بقصورها (وليست تقيه الحر الا تعلة ً ...  لنفس خلت من صبرها المتبدد) قلت لعل الذي يحول بين المتلقين من المتلهفين و المتعطشين مثلي إلى المعرفة من مشكاتها الصحيحة هو تحذلق (Pédantisme) ملحوظ لدى بعض هؤلاء "السدنة" وغياب الإرادة الصادقة و المجردة بتواضع من عوالق و تضخم "الأنا" بين جزالة و سماكة اللغة من ناحية و بين علميتها و مردوديتها إلى متناول حراك الثقافة باتجاهاتها الصالحة المُنبتة، المُثمرة، الطيعة للفرد و المجتمع و الدولة؛ و قد قال الجاحظ "ومتى كان اللفظ كريمًا في نفسه، متخيرًا في جنسه، وكان سليمًا من الفضول بريئًا من التعقيد، حُبِّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب... ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح ألفاظًا مسخوطة، ولا معانِيَ مدخولة، ولا طبعا رديًا، ولا قولاً مستكرهًا". ثم إنه ليس أصحاب التحذلق و التقعر إلا من يرمون سواهم جزافا بالجهل و ضعف القدرة على التعبير و سوء الحفظ على سلامة الإملاء و النحو و ميزان تصريف الأزمنة، و يعيبون عليهم أن يتركوا الكلام يخرج على سجيته، والألفاظ على السليقة، ولا يستكرهون الألفاظ أو يحشرونها في غير مواضع".
و الثرثار هو كما يقول ابن الأثير: "الذي يكثر الكلام تكلُّفًا وخروجًا عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده، والمتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز، ومثل المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم... والمتفيهق الذي يتوسع في الكلام ويفتح فاه به، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء والاتساع".
هلا ننزل جميعنا إلى مستوى نرفع به مكانة المعارف الناقصة عندنا و يجاور بعضنا الآخر ليأخذ منه خدمة للعلم و الوطن و الفكر و الثقافة بلغة في المتناول لكنها حمالة كل الهم المعرفي؟

 

الولي ولد سيدي هيبه