الهجرة إلى الحق.. | صحيفة السفير

الهجرة إلى الحق..

سبت, 23/09/2017 - 12:02

ودعت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض و مغاربها عاما هجريا، و استقبلت عاما هجريا جديدا، دون أن يدرك غالبية المسلمين حقيقة الهجرة النبوية الشريفة، ومعالمها التربوية و الأخلاقية و الإنسانية والسياسية و الإجتماعية ،  ودعت عاما توج بأحداث دموية و إنسانية مأساوية، و من المؤكد أن هذه الأحداث  لن ترضي نبي الأمة محمد عليه الصلاة والسلام، الذي هاجر من موطن يحكمه الظلم والاستبداد،  إلى موطن جديد تسوده حرية الاعتقاد و حرية الرأي و التعبير، موطن لا يتحكم فيه الطغاة في مصائر البلاد والعباد...

تودع الأمة العام الهجري 1438 بأحداث مؤلمة، فاليمن يعاني ويلات القصف و التشريد و التدمير، و يعاني أهله الجوع و عودة أمراض الفقر، التي لم نعد نسمع بها إلا في بلدان العالم الإسلامي، والعراق لازال تحث القصف و أهله يعانون في حرب مفتوحة ضد الإرهاب، هذا الشبح المجهول الذي لا نرى له قادة يقتلون أو يأسرون، جل ما نسمعه و نراه في وسائل الإعلام سفك لدماء مدنيين، و تدمير لبنية تحتية ومدن شيدت بتضحيات وجهود عموم المواطنين، نفس الأمر في سوريا التي فرغت من أهلها، و تحولت من بلد يحتضن أهله المهجرين إلى شعب مهجر في أقاصي الأرض...

و لا يعني أن مأساة الأمة محصورة في هذه البلدان، بل خارطة الدم و المآسي تشمل غالبية البلدان العربية وجزءا من البلاد الإسلامية، و أس هذه المآسي هو الاستبداد و الظلم والابتعاد عن الحق و العدل في الحكم و في إدارة النزاعات، وهو نفس ما عاناه المسلمون في مكة قبل الهجرة النبوية، فسادة قريش اعتبروا أنهم على حق، و أن هذه الفئة التي دخلت في الإسلام هي فئة باغية تهدد مستقبل قريش و أمنها.. فكما تعرض المسلمون في بداية البعثة النبوية إلى التقتيل و التعذيب و التنكيل و السجن والحصار، فكذلك اليوم نجد أن من يحمل فكرة الإصلاح و التغيير بالاعتماد على التصور الإسلامي، و المنهج النبوي، يعرض لكل هذه المضايقات..

 ويكفي مثالا على ذلك، وفاة المرشد السابق للإخوان المسلمين "محمد مهدي عاكف" الذي وافته المنية وهو في سجون "عبد الفتاح السيسي" و بطانته، "السيسي"الذي استحوذ على حكم مصر بالسلاح و النار، و لم يتورع في سفك دماء شعبه، "مهدي عاكف" رحمه الله و اسكنه فسيح جنانه نموذج للكفاح السلمي، فهذا الرجل لم يحمل يوما سلاحا في وجه الطغاة، ولكن جل مقاومته و نضاله كان بالكلمة والنصيحة، فقد سجن في عهد "عبد الناصر" و حكم عليه بالإعدام، تم سجن في عهد "مبارك" و انتخب مرشدا للإخوان ورفض الاستمرار في القيادة ورسخ لمبدأ التداول على قيادة الدعوة الإسلامية، و لم يسلم في أواخر حياته من بطش الاستبداد فكانت وفاته بداخل السجن، مسجونا ظلما و عدوانا، مسجونا من أجل سلامة و طنه و أمنه...

الأمة تخسر بفقدان هذه النماذج الخيرة، الأمة في تيه لأن أمرها بيد مستبدين همهم مصالحهم ضيقة الأفق، ومن أجل هذه المصالح لا يتورعون في تدمير أوطانهم، وسفك دماء شعوبهم، قصة هجرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ومعاناته من طغيان و تجبر سادة الكفر في مكة تتكرر و بحجم أكبر، فالأمة التي كان قوامها في بداية الدعوة الإسلامية عشرات الرجال  و النساء، أصبح تعدادها اليوم مليار و نيف، وفي ذلك تأكيد على أن محمد عليه الصلاة والسلام، كان على حق بينما "أبو جهل" و بطانته كانوا على ظلال، و "أبو جهل" مات كشخص لكن استمر كفكرة، و لازالت روحه تتجسد في هؤلاء الطغاة العرب الذين رفعوا شعار " أنا ربكم الأعلى " و "ما أريكم إلا ما أرى" هذه الفرعونية السياسية التي عبر عنها "أبو جهل" في مواجهة الدعوة الجديدة، عبر عنها اليوم حكامنا الذين رفعوا السلاح والعتاد، ووظفوا كل إمكانيات شعوبهم لتدمير شعوبهم وأوطانهم، بل قام بعضهم بالتدخل في مصائر شعوب أخرى، و ما تعانيه مصر و سوريا و ليبيا و اليمن هو نتاج لهذه الفرعونية و الاستبداد الذي طبعت سلوك بعض حكام الخليج...

من المؤكد أن الحق سينتصر على الباطل، فكما انتصرت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ،على جبروت و طغيان كفار مكة قبل الفتح، فكذلك اليوم انتصر "محمد عاكف" رحمه الله على جبروت "عبد الناصر" و "مبارك" و "السيسي"، فاستمرار دعوته و تتويجها بالشهادة في سجن طاغية دموي هو انتصار للحق، و من يظن أن النجاح أو الفشل مقترن بالحياة الدنيوية فهو واهم ، فالنجاح و الخسران يشمل هذه الدار و الدار الآخرة أيضا، و العبرة بالخواتيم، و"حسن النهايات مقترن بحسن البدايات"، فمن كانت وجهته و غايته تعمير الأرض و تحسين جودة حياة الناس، و حقن دمائهم و صون أعراضهم عبودية لله و امتتالا لأوامره و نواهيه و سيرا على منهج النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، ليس كمن كانت غايته سفك الدماء و انتهاك الأعراض خدمة لمصالح شخصية أو فئوية، سيرا على منهج فرعون هذه الأمة " أبو جهل"..

فمهما ضاقت السبل بأفراد الأمة الاسلامية ، فينبغي التمسك بمنهج النبي محمد عليه السلام، لأنه المنهج الأمن في الدنيا و الآخرة، كما انه الأمل الذي فيه خلاص هذه الأمة، مما تعانيه من طغيان وتشرذم، وعنف دموي ومعنوي لاغاية له، إلا كبح جماح نهضة الأمة و ضمان تأخرها لعقود أخرى.. فالهجرة النبوية ليست حدثا تاريخيا فحسب، بل هي منهج حياة وهجرة مكانية ومعنوية، هجرة هروبا من الباطل إلى الحق، هجرة نحو المستقبل الذي يستند إلى احترام إرادةالإنسان وكرامته و إنسانيته و حريته في الاعتقاد، فكانت هجرة النبي إلى يثرب – المدينة المنورة- بداية التأريخ لمرحلة سياسية واجتماعية وإنسانية، لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلا، و لازالت هذه التجربة القائمة على العدل و المواطنة والتسامح و العدل و التعددية السياسية والفكرية، تحرك وجدان كل إنسان حر يسعى لخير أهله ووطنه و بني جنسه ..."هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين" (الآية 138 آل عمران) ..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

 

 

د.طارق ليساوي

*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي