هل تُصلح القبيلة ما أفسده جنون العظمة؟! | صحيفة السفير

هل تُصلح القبيلة ما أفسده جنون العظمة؟!

أربعاء, 26/08/2020 - 16:03

لن يكون وصفُ الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بـ"غريبِ" الأطوار، تجنياً على الرجل، بقدر ما هو نعتُ دقيق لتصرفاته وبعض قراراته، حتى قبل أن يُدخل نفسه في معمعان اللاً تركيز، حينما حاول دون تفكير العودة من النافذة بعد أن خرج من الباب.

لا يغيب عن المراقبين والعارفين بالشأن السياسي، أن الرئيس السابق يعاني مشاكل نفسية عميقة وهو يسعى جاهداً لأن يزجً بوسطه الاجتماعي وحتى الجهوي في مهاترات لا طائل من وراءها، رغم عزوف أغلب الشخصيات عن ذلك المسعى الموغل في السطحية وجلب الضرر، ليس لتلك المجموعة الطيبة والتي ساهمت بشرف في بناء الدولة والمشاركة في انتعاشها الإقتصادي والتنموي، بل للبلد برمته وهو إساءة وتهديد مبطًن للسلم الأهلي والوئام الوطني الذي طبع جميع أطياف المجتمع دون استثناء.

هي سابقة تنضاف إلى "سابقات" الرجل بإمعانه في الخروج على المألوف، حدً احتقار الدولة والدًوس على هيبتها، فمتى كانت القبيلة درعاً للقادة وصناع القرار ومن يمارسون السياسة، أو أليست الدولة أكبر من الجميع؟َ.. وهل سبق لأي رئيس أن اختبأ وراء القبيلة بعد فقدان حكمه أو استشارها أصلاً وهو يهمٌ بقلب نظام الحكم أو المشاركة في تنحيًة من شغل المنصب قبله، وهل سمعنا يوماً بقبيلة تريد حماية ابنها من الدولة..؟!

بعد أن قرر الجيش تنحية الرئيس المؤسس للجمهورية الإسلامية الموريتانية، المرحوم المختار ولد داداه، لملم أوراقه وقضى آخر سنوات عمره في المنفى، لم يتحدث عن بلاده بكلمة، ولم يجيًش من يتحدثون باسمه، أما القبيلة فليس مطروحة البتة في هكذا ظروف، كان حاله شبيهاً بمن خلفوه على التوالي: المصطفى ولد محمد السالك، محمد محمود ولد احمد لولي، وبعدها لم تكن وفاة المقدم احمد ولد بوسيف رغم ما لفًها من غموض موضوعاً لإجتماع قبلي ولا تشكيكاً من أسرة ضيقة.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أعدم الرئيس هيدالة ثلاثة من خيرة ضباط الجيش، فلم تثر ثائرة أحد، وعندما أزيح هيدالة وسجن كان الأمر عادياً وعاش بعدها في سلام بل ودخل المعترك السياسي دون ضوضاء، وما زال أطال الله في عمره، يعبًر عن رأيه ومواقفه بكل حرية،.. أمًا فيما يخصٌ الرئيس معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع الذي قاد البلد لأطول فترة فأغلب الأجيال تمتلك تفاصيل ما حدث.

وحتى إن كان الانقلاب على أول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية، انتكاسة للمكاسب التي حققها نضال الشعب الموريتاني من أجل الدولة المدنية بعد عقود من التيه، إلا أنه في النهاية مرً مرور الكرام، لم تجمع يومها قبيلة ولا جهة، حتى للتنديد بذلك الجُرم المشين،..

أو أليست هي نفسها الطريقة التي هضمنا بها رحيل الرئيس الشهم ورجل الدولة والمنطقة، العقيد أعلِ ولد محمد فال، رغم "الغموض" والغصًة التي صاحبت فقدانه في ظهيرة مشهودة من صيف مايو الساخن قبل ثلاث سنوات، أم أن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مُختلف لدرجة أنه لا يشبه أحداً بالمرة؟!

على نفسها جنت براقش!

حسب العارفين بما يدور في دهاليز الدولة العميقة، فقد كان الرئيس عزيز محظوطاً جداً عندما حكم البلاد صدفة، وكان محظوظا أكثر برفاق دربه ممن حفظوا العهد وأمنوا له الظهر، وشهدت البلاد في بداية حكمه طفرة اقتصادية في النفظ والمعادن النفيسة..

كان كذلك يمتصٌ بعض الأزمات بحركات غريبة لكنه في النهاية كان ينجحُ في اغلبها، ولقيً في سنواته الاولى اصطفافا جماهيريا منقطع النظير، مستغلاً شعارات أعطت الأمل لقطيعة نهائية مع الفساد الذي أنهك البلد وقلل من فرص التطور والتنمية، بيدَ أنه في الأخير انجرف في مستنقع التسلٌط والضًياع لدرجة لا توصف، حتى بات الفساد ينخرُ جميع مفاصل الدولة تحت رعايته الخاصة.

لاحت للرئيس السابق فرصة ذهبية عندما قرر الرفاق، اختيار أقرب خلصائه وكان قاب قوسين أو أدنى من تخليد اسمه كرمز وطني، خرج في تداول سلمي على السلطة لفت أنظار العالم إلى النضج الديمقراطي الذي وصل إليه الشعب الموريتاني الأصيل، لولا استسلامه للعنتريات والحركات غير المحسوبة.

لم يكن أكبر المتشائمين ينتظر سيناريو اليوم، والكل تنفس الصعداء بعد أن غادر عزيز السلطة بسلام، وخلفه غزواني الذي نالَ ما نالَ من دعم ومساندة من كافة الطيف السياسي، وبدأ يخطو أول خطواته نحو تصحيح المسار.

من الشجاعة بمكان أن يتحمًل ولد عبد العزيز مسؤولياته، وهو المعروف بـ "إقدامه وجسارته"، وأن لا يدخل حرباً هو من صنعها لنفسه بأسلحة غير تقليدية ككسب تعاطف القبيلة والأقرباء، فلا علاقة لقبيلة أي رئيس بتسيير شؤون البلاد لأنها لم تستشر في اختياره أصلاً، ولا معنى لأن يحتمي بها من كان يمثل الشعب والدولة يوما ما.

قضية "عزيز" يصدق فيها المثل العربي: على نفسها جنت براقش، وهي لا تعدو كونها إثارة للجدل للتغطية على عشرية أتى فيها الفساد على الأخضر واليابس، وبقدر ما يملك الرئيس السابق كامل حقه في العدالة، فمن حق القضاء أن يستعيد للشعب أمواله، وأن يخضع كل المشمولين في ملفات الفساد للمساطر القانونية دون استثناء، وأن لا يسمح لأي كان أن يشوًش على مسار التحقيق حتى يتبيًن الحق من الباطل.   

 

السفير