
قام رئيس الجمهورية بزيارة لولاية الحوض الشرقي في الفترة ما بين 6 و14 نوفمبر 2025، شملت مختلف مقاطعات الولاية في أول زيارة من هذا النوع منذ وصوله إلى السلطة عام 2019. ولا شك أن هذا الحضور الميداني غير المسبوق، من حيث الزمان والمكان للرئيس خارج فترات الحملات، يعكس - من بين ما يعكسه - إدراكا متزايدا لأهمية الولاية ولحساسية الظرف الذي تمر به البلاد بشكل عام والولاية بشكل أخص. ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر، حين نأخذ في الاعتبار أننا دخلنا في السنة الثانية من المأمورية الأخيرة دستوريا، وأن الرأي العام قد بدأ بشكل جدي في طرح الأسئلة المتعلقة بالمستقبل السياسي والأولويات الوطنية للسنوات المقبلة.
وتأتي هذه الزيارة في سياق بيئة إقليمية مشحونة وصلت فيها الأزمات إلى مستويات غير مسبوقة ويطبعها بشكل خاص استمرار تدهور الأوضاع في مالي المجاورة وتصاعد أنماط العنف العابر للحدود إضافة إلى انحسار مظلات الردع التقليدية وبروز توازنات جديدة تفرضها التحولات الدولية الكبرى. وضمن هذا المشهد، تتحول ولاية الحوض الشرقي - التي تمثل نقطة تماس بين موريتانيا والاضطرابات التي تعيد تشكيل وجه الساحل - إلى مختبر حساس لاختبار قدرة الدولة على معالجة التحديات الاجتماعية والأمنية في وقت واحد. ومن هذه الزاوية يمكن فهم حرص الرئيس على مخاطبة الولاية مقاطعة مقاطعة، في تفاعل مباشر مع المواطنين، ومع نخبة محلية تعيش على تماس يومي مع حدود تشهد تغيرات متسارعة.
لكن الجانب الذي يمنح الزيارة معناها الحقيقي ليس فقط موقع الولاية أو سياقها الإقليمي، بل طبيعة الخطاب السياسي الذي حملته محطاتها الأربع الأكثر بروزا؛ ذلك أن الرئيس اختار في كل محطة قضية بالغة الأهمية (القبيلة في انبيكت لحواش، الجوار المالي في باسكنو، صراع الخلافة المبكر والحوار الوطني في تمبدغة، ومحاربة الفساد في جكني). وبالطبع فإنه يمكن النظر إلى هذه القضايا باعتبارها مواضيع متفرقة، غير أنها في الواقع تمثل مكونات لــ"خريطة قلق" تتراكم في الذهن العام وفي إدارة الدولة معا. ولذلك جاءت خطابات الرئيس متكاملة، تتقدم من الاجتماعي إلى الإقليمي ثم إلى السياسي وصولا إلى الأخلاقي والمؤسسي، كأنها ترسم حدود التحديات البارزة التي تواجه البلاد في السنوات المقبلة.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى هذه الزيارة على أنها تتجاوز وظيفة التطمين الظرفي للسكان، لتصبح مناسبة لإعادة ترتيب سلم الأولويات الوطنية عبر مقاربة حاولت أن تحقق توازنا بين الإنصات للمواطنين وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومصادر التهديد أو التشويش المحتملة. وفي لحظة بدأ فيها الداخل والخارج يتساءلان عما بعد المأمورية الحالية، تظهر الزيارة كخطوة لإعادة تثبيت مسافة معقولة بين الدولة والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين من دون قطيعة لكن أيضا من دون انحياز لطرف بعينه، مع وضوح في الرسائل واتساق في المواقف.
وعلى ضوء هذا المشهد المتشابك، يمكن النظر إلى محطات الزيارة المذكورة باعتبارها حلقات مترابطة، يكمل كل منها الآخر ويكشف جزء مختلفا من صورة أوسع تتشكل في ذهن الرئيس عن تحديات المرحلة واتجاهات إدارتها. ومن هذا المدخل، يصبح التوقف عند كل محطة - بدء بانبيكت لحواش - خطوة لفهم الطريقة التي يعمل بها الرئيس على تنظيم المشهد الداخلي وتثبيت إيقاع المرحلة المقبلة في ظرف يتطلب قدرا أعلى من الوضوح والحزم.
المواطنة الجامعة
في انبيكت لحواش، قدم رئيس الجمهورية أوضح موقف رسمي منذ وصوله إلى السلطة بشأن العلاقة بين الدولة والانتماءات الأولية، حين أعلن بعبارات قاطعة أنه "لن يكون هناك أي تساهل بعد اليوم مع أي استخدام للقبيلة أو الجهة أو الشريحة في استخدامات منافية لمبادئ الدولة الوطنية"، مضيفا أن موظفي الدولة وأعوانها ملزمون بالامتناع عن حضور أو تنظيم أية فعاليات ذات طابع قبلي. وبهذا الإعلان، يكون الخطاب قد انتقل من مستوى الإدانة الأخلاقية إلى مستوى التجريم السياسي والإداري، حيث أصبح توظيف الانتماءات الأهلية فعلا يلامس خطوطا حمراء في وظيفة الدولة وشرعية مؤسساتها.
وتكمن دلالة هذا التحول في كون الرئيس لم يوجه رسالته إلى الجمهور فقط، وإنما أيضا إلى الجهاز الإداري نفسه الذي ظل لعقود طويلة يتعايش مع ازدواجية الدور بين الولاء المهني والارتباطات القبلية. ومن خلال رفع سقف الخطاب إلى درجة اعتبار الوحدة الوطنية "خطا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف"، ربط الرئيس بشكل مباشر بين خطابات الشرائحية والتجييش القبلي وبين أمن الدولة. وهنا يتحول "خصم الدولة" في المخيال الرسمي من الفاعل الخارجي أو المتمرد المسلح إلى كل من يذكي النعرات ويضعف شرعية المواطنة الجامعة، وهو تحول بالغ الأهمية في تحديد ما تعتبره الدولة تهديدا داخليا في هذه المرحلة.
ولم يكن اختيار انبيكت لحواش لهذه الرسالة اعتباطيا؛ إذ أنها منطقة تقع ضمن مجال تتقاطع فيه القبائل والشرائح وتتنافس فيه شبكات الوساطة منذ عقود، مما يجعلها بيئة ملائمة لاختبار قدرة الدولة على فرض قواعد جديدة للتمثيل السياسي. لذلك تمكن قراءة خطاب الرئيس باعتباره محاولة لرفع كلفة "تسييس الانتماء الأهلي"، بتحويل هذا المورد التقليدي للنفوذ إلى عنصر مخاطرة قد يعرض أصحابه للمساءلة بدل أن يمنحهم القوة. وهذا التحويل، إذا ما ترجمته الحكومة إلى إجراءات تنظيمية وإدارية، قد يعيد تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف ويقلص من قدرة الوسطاء التقليديين على التحكم في مسارات التعيين والانتخاب.
وفي امتداد مباشر لهذا التحول في تعريف حدود المسموح والممنوع داخل المجال العمومي، أصدر الوزير الأول المختار ولد أجاي يوم 21 نوفمبر تعميما إداريا ألزم فيه أعضاء الحكومة ورؤساء القطاعات برصد أي أقوال أو ممارسات داخل الإدارات العمومية تتعارض مع قيم الجمهورية ومبادئ المواطنة، واتخاذ الإجراءات التأديبية والقانونية اللازمة بحق مرتكبيها. وحظر التعميم على الموظفين ووكلاء الدولة حضور أو تنظيم الاجتماعات ذات الطابع القبلي أو الجهوي أو الشرائحي، أو تبني خطاب الكراهية والتحريض والتفرقة، معتبرا استغلال الانتماءات الأهلية للتأثير على السياسات العمومية أو تعطيل مشاريع التنمية تهديدا مباشرا للنظام العام وتقويضا لثقة المواطن بالدولة. وقد تم تقديم هذا التعميم بوصفه ترجمة تنظيمية لتوجيهات رئيس الجمهورية في خطاب انبيكت لحواش، وخطوة نحو إدخال قواعد المواطنة الجامعة إلى صلب الضبط الإداري اليومي.
ومن الواضح أن مضمون هذا الطرح لا ينفصل عن "خريطة القلق" التي تراها الدولة أمامها في المرحلة المقبلة؛ إذ أن الخوف يتجاوز احتلال النزعات القبلية أو الفئوية لواجهة المشهد، ليشمل أثر ذلك على الاستقرار السياسي وعلى صورة الدولة في لحظة دقيقة تتجه فيها الأنظار إلى ما ستؤول إليه إدارة السلطة في ما بعد المأمورية الحالية. وبالتالي تكون الرسالة المضمرة في خطاب انبيكت لحواش موجهة للولاية بالفعل، لكنها موجهة بشكل أشمل إلى الطبقة السياسية في مجملها كتعبير عن رغبة في خفض منسوب التحشيد القبلي قبل أن يتحول إلى رافعة غير منضبطة في زمن تتراكم فيه التوترات الإقليمية وتتكاثر فيه نقاط الضعف الداخلية..
لكن قوة هذا التوجه تصطدم بواقع معقد، يتمثل في أن البنية السياسية في البلاد ما تزال تعتمد، بدرجات متفاوتة، على شبكات الانتماء القبلي كقنوات للوصول إلى الدولة ولتثبيت الاستقرار المحلي. ومن هنا تبدو انبيكت لحواش نقطة اختبار حقيقية: فهل ستنجح السلطة في تحويل هذا الخط الأحمر إلى قواعد إلزامية يتم تطبيقها في التعيينات والترقيات والامتيازات الإدارية؟ أم سيظل الخطاب والتعميمات سقفا بلاغيا يهدف إلى ردع التجاوزات الصارخة من دون المساس بالمعادلة العميقة التي تشكلت حولها الحياة السياسية؟ وبالطبع فإن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين الدولة والقبيلة، لكونها ستكشف أيضا عن حدود الإصلاح الممكن في مرحلة سياسية تتطلب قدرا أكبر من الحسم والوضوح.
هشاشة الجوار
في باسكنو، ينتقل الخطاب من الشأن الداخلي إلى حدود الدولة، حيث يصبح الجوار المالي عنصرا لا يمكن تجنب أثره على الأمن الوطني وعلى المزاج العام خصوصا في شرق البلاد. وقد حرص الرئيس في هذه المحطة على تقديم رسالة مزدوجة تتمثل من جهة في تطمين واضح لمالي بوصفها دولة جارة تربطها وشائج التاريخ والجغرافيا مع موريتانيا، ومن جهة أخرى في تنبيه لا يخفى إلى حساسية المرحلة وما تفرضه من يقظة ومسؤولية مشتركة. فسكان ولاية الحوض الشرقي، الذين خبروا لسنوات الحوادث المأساوية وتدفق اللاجئين وتقلبات الوضع الحدودي، يدركون أكثر من غيرهم أن استقرار العلاقات بين الدول يجري حسمه حيث تتجاور المجتمعات وتتداخل المصالح، وليس حيث تدبج البيانات الدبلوماسية.
جاء خطاب رئيس الجمهورية أقرب إلى إعلان "توازن محسوب" في إدارة العلاقات مع باماكو، توازن يرفض الانجرار إلى خطاب الصدام الذي تبنته أطراف إقليمية أخرى، لكنه لا يتساهل أيضا مع أي اختراق حدودي أو تهديد مباشر. وقد تجلى هذا المنطق في حرص الرئيس على مخاطبة الماليين بلغة الصداقة والمصير المشترك، وفي الوقت ذاته التأكيد على أهمية احترام الحدود والتنسيق الأمني، في إشارة واضحة إلى أن الاستقرار في الساحل لم يعد في الإمكان بناؤه عبر الشعارات، لكونه يتطلب تدبيرا دقيقا للحدود ولمصالح المجتمعات التي تعيش عليها.
وتكمن قيمة هذا الخطاب في إدراكه لطبيعة اللحظة المالية الراهنة؛ حيث أن مالي تعيش منذ سنوات تحولات عميقة في بنيتها السياسية والأمنية بدأت بانسحاب الوجود الدولي التقليدي وتمدد الفاعلين الجدد وتطورت مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الدولة المركزية على بسط سيادتها على الأطراف. في مثل هذه البيئة، تصبح موريتانيا في موقع حساس، فهي مطالبة بتأمين حدود تمتد آلاف الكيلومترات عبر تضاريس مفتوحة، وبالحفاظ على علاقات مستقرة مع سلطة سياسية متقلبة وبطمأنة مواطنيها في شرق البلاد الذين يراقبون بكثير من القلق ما يجري خلف الحدود.
ولذلك يجدر النظر إلى خطاب باسكنو كمحاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومجتمعات الحدود؛ حيث بدا الرئيس واعيا بأن الاستقرار في هذه المناطق لا يتحقق عبر الآليات الأمنية فقط، بل عبر إشراك السكان أنفسهم في بناء منظومة الثقة مع الجوار، وفي منع تحول المنطقة الحدودية إلى ممر للأفكار المتطرفة أو شبكات التهريب أو الهجرات القسرية. ولهذا حمل الخطاب نبرة "الاحترام المتبادل" التي أراد منها الرئيس أن يرسل إشارة إلى الماليين، وإشارة أخرى إلى المواطنين الموريتانيين مفادها أن سياسة البلاد تجاه جارتها ليست سياسة مرتجلة وإنما هي خيار محسوب يقوم على التهدئة عندما تكون ممكنة وعلى الحزم عندما يكون ذلك ضروريا.
وبهذا، تشكل محطة باسكنو الضلع الإقليمي في زيارة الرئيس للحوض الشرقي، حيث يظهر رئيس الجمهورية بمظهر القائد الذي يسعى إلى تجنيب البلاد انعكاسات التحولات العميقة الجارية في الساحل بشكل عام وفي مالي بشكل خاص، من دون الانسياق إلى محاور ضيقة أو الدخول في مواجهات غير محسوبة. وقد مهد هذا الخطاب، بطبيعته المزدوجة بين التفاهم والحزم، لباقي المحاور التي ستنتقل من الإقليمي إلى السياسي وتحديدا في محطة تمبدغة.
ضبط إيقاع الزمن السياسي
في تمبدغة، يتخذ خطاب الرئيس منعطفا نوعيا لأن الموضوع الذي تناوله يتعلق بمسألة بنيوية تتصل بمركز الجاذبية في النظام السياسي نفسه، أي بسؤال الخلافة وكيفية إدارة الزمن السياسي في مأمورية أخيرة. ولعل قوة هذا الخطاب تكمن في أنه كسر الصمت الرئاسي الذي أحاط خلال الأشهر الماضية بحالة من التدافع الخفي داخل كبار المعاونين، حيث بدأ بعضهم في اختبار حدود نفوذه وفي بناء شبكات الولاء، أملا في استكشاف مواقعهم في ما بعد 2029، وذلك في مشهد أعاد إلى الأذهان أنماطا عرفتها البلاد خلال عمليات انتقال سابقة حين كاد التنافس غير المعلن أن يطيح بترتيبات الحكم ويخلق توترات غير محسوبة.
لذلك جاءت دعوة الرئيس إلى "تجاوز التجاذبات الضيقة وترسيخ ثقافة الحوار والتعاون خدمة للوطن" بمثابة خروج مقصود من دائرة التلميح إلى دائرة التصريح. فحديثه الصريح عن انتهاء السباق الانتخابي وتأكيده أن البلاد دخلت مرحلة "عمل وبناء"، مثل محاولة لوضع حد لثقافة سياسية تستنزف الدولة منذ عقود، حيث يتحول كل موقع حكومي أو حزبي هام أو حتى كل خسارة انتخابية إلى منصة لتغذية طموحات شخصية مبكرة وماكرة تتقدم على مقتضيات الاستقرار ومهام الإصلاح.
وبالطبع فإن هذا الخطاب لا يمكن فهمه خارج سياق المأمورية الحالية التي يحددها الدستور بوصفها الأخيرة؛ ذلك أنه كلما اقترب نظام سياسي من نقطة نهاية محددة سلفا، تبدأ النخب في إعادة توزيع مواقعها المحتملة في المستقبل وتظهر ديناميكيات خفية تسعى إلى خلق "مراكز قرار موازية" داخل أجهزة الحكم أو داخل الحزب الحاكم أو عبر تحالفات قبلية ومصلحية. وفي مثل هذه الأجواء، يصبح ضبط إيقاع الزمن السياسي جزء من مهام الدولة، لأن تركه من دون توجيه قد يفتح الباب أمام تنازع الصلاحيات وتضارب الولاءات وتداخل أدوار المؤسسات. وهنا تبدو تمبدغة – التي ينظر إليها عادة على أنها العاصمة السياسية للولاية - وكأنها كانت محطة أراد الرئيس من خلالها إعادة تعريف حدود النفوذ وحدود الحركة لدى كبار معاونيه.
لكن الخطاب لم يقتصر على التحذير؛ بل تطلب خطوة موازية تعيد إنتاج الشرعية بطريقة أكثر مؤسسية. ولهذا ربط الرئيس "كبح السباق المبكر على الخلافة" بفتح أفق حوار وطني واسع يتناول "واقع منظومتنا الدستورية ومدى فاعلية مؤسساتها"، وهو طرح يعكس إدراكا بأن معالجة التوتر داخل النخبة لا يمكن أن تتم فقط عبر الخطاب، لكونها تحتاج وضع قواعد جديدة تعيد توزيع الأدوار وتفصل بين الصلاحيات وتضمن استمرارية الدولة بغض النظر عن مواقع الأفراد. ومن اللافت أن الرئيس لم يطرح فكرة الحوار من باب المجاملة السياسية فقط لمعارضيه، لكنه حدد أيضا وبشكل مسبق عناوين قابلة للنقاش، مثل مدى جدوائية مجلس الشيوخ والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومجلس الفتوى والمظالم، وهي مؤسسات تعتبر مؤشرات دالة على طبيعة النقاش الدستوري المحتمل وعلى مدى طموح الرئيس في إدراج إصلاحات أعمق من مجرد التعديلات التجميلية.
ويمكن أن يفهم من خلال إدراج هذه المؤسسات بالاسم أن الرئيس يريد الانتقال من "إدارة اللحظة" إلى مستوى "إعادة هندسة المنظومة". فالنقاش حول البرلمان مثلا ليس لن يكون نقاشا حول مؤسسة واحدة، لكونه سيشمل تمثيلية النظام الحزبي برمته ومدى فعالية الرقابة على العمل الحكومي والمدونة الانتخابية والعلاقة بين الحكومة والأغلبية. كما أن النقاش حول المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يفتح الباب لطرح أسئلة حول موقع الخبرة المستقلة في صناعة القرار، وهو بعد ظل لفترة طويلة خارج دائرة النقاش الوطني.
غير أنه تجدر ملاحظة أن خطاب تمبدغة حمل أيضا عنصرا من الذكاء السياسي، لأنه وضع الكرة في ملعب الطبقة السياسية نفسها من خلال مساءلتها حول ما إذا كانت مستعدة لحوار مؤسسي يتجاوز منطق "تقاسم المواقع" نحو تصور مشترك للدولة؟ أم أن الحوار سيتحول، كما يحدث في تجارب كثيرة، إلى وسيلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للأغلبية من دون مساس جوهري بقواعد اللعبة؟ ولعل هذا السؤال هو ما سيحدد، على المدى المتوسط، ما إذا كان خطاب تمبدغة يمثل نقطة تحول فعلية، أم مجرد امتصاص لضغط متزايد داخل النخبة؟
وفي كل الأحوال، فقد جاءت تمبدغة لتربط محورين أساسيين في الزيارة تمثل أولهما في معالجة البنى الاجتماعية في انبيكت لحواش وثانيهما في ضبط حدود الجوار في باسكنو، قبل الانتقال إلى تفكيك التحدي الأكبر الذي يعترض الدولة من داخلها، أي تسييس مؤسسات الحكم واستنزاف طاقتها في صراعات مبكرة تضعف الإنجاز وتشتت بوصلة الإصلاح. وهكذا تكتسب تمبدغة موقعها المركزي في "خريطة القلق" التي حملتها الزيارة، لأنها تمثل اللحظة التي التقت فيها إدارة الشأن السياسي بأسئلة الإصلاح المؤسسي، ولأنها النقطة التي انتقل فيها خطاب الرئيس من معالجة تحديات اللحظة إلى التفكير في شكل المرحلة المقبلة وما تتطلبه من قواعد أوضح ومسار أكثر استقرارا.
الفساد مرة أخرى
بلغت الزيارة ذروتها الرمزية في جكني، حيث انتقل الخطاب من معالجة البنى الاجتماعية والجوار الإقليمي وإيقاع الحياة السياسية، إلى مواجهة التحدي الأكثر قدرة على تقويض شرعية الدولة من الداخل، أي إلى وباء الفساد. وقد بدا الرئيس في هذه المحطة أكثر مباشرة وتحديدا، حين تحدث عن خطورة هذا الملف على ثقة المواطنين في الدولة وعلى تماسك المؤسسات وعلى صدقية أي مشروع إصلاحي مهما بلغت طموحاته. وربما لم يكن اختياره لجكني صدفة؛ حيث أن الولاية عرفت مثل باقي مناطق البلاد تراكما لمطالب تنموية وشعورا لدى السكان بأن ضعف الخدمات وتفاوت الولوج إليها يرتبطان - جزئيا على الأقل - بسوء التسيير وبتداخل النفوذ السياسي مع توزيع الموارد.
وضمن هذا السياق، جاء خطاب الرئيس كأنه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن عبر ركيزتين تمثلت أولاهما في الاعتراف الواضح بأن الفساد هو نمط مهيكل من السلوك الإداري والسياسي تراكم عبر عقود قبل أن يكون انحرافات فردية أو بيروقراطية ، وثانيهما التأكيد على أن الدولة تتجه نحو صياغة مقاربة أكثر صرامة تتجاوز الوعظ الأخلاقي - الذي سبق للمواطنين أن سمعوه خلال الحملة الانتخابية وعبر خطاب التنصيب - إلى وضع آليات متابعة ومحاسبة فعلية. ومما عزز مصداقية هذا التوجه أن الرئيس تحدث عن الفساد كخطر سياسي يتطلب تضافر جهود الجميع وإعادة ترتيب منظومة الحكم سواء في منح الصلاحيات أو في مراقبة مسار الصفقات العامة أو في تطوير أدوات التفتيش المالي.
وكان لافتا أن هذا الخطاب حظي باهتمام خاص في أوساط النخبة والرأي العام، ربما لكون معركة مكافحة الفساد يجري اختبار صدقيتها في السنوات الفاصلة بين المأمورية الحالية وأفق 2029؛ ذلك أنه في ظل أنظمة الحكم التي تضغط عليها مأموريات محددة، يصبح الفساد ساحة مواجهة بين رؤيتين: رؤية تعتبر أن الزمن المتبقي من المأمورية الأخيرة هو فرصة لترسيخ إرث مؤسسي وترك انطباع حسن عن الحاكم، ورؤية أخرى ترى في المأمورية الثانية فرصة لتوسيع النفوذ وتمرير المصالح وتظل تحلم حتى الرمق الأخير بمأمورية ثالثة. ومن هنا جاء حديث الرئيس كنوع من حسم الاتجاه وتحديد السقف السياسي، بالتأكيد على أنه لا مجال لاستغلال مؤسسات الدولة أو مواردها في بناء شبكات الولاء ولا تساهل مع أي ممارسات من شأنها أن تضعف ثقة المواطن في العدالة وفي تكافؤ الفرص.
وفي العمق، يمكن القول بأن الرئيس أراد من خلال محطة جكني أن يربط الشرعية السياسية بالأداء الملموس وأن يؤكد أن نجاح الدولة في مواجهة تحديات القبيلة والجوار والنخبة لن يكتمل من دون معالجة الخلل الجوهري في توزيع الموارد. فالتوترات الاجتماعية في الحوض الشرقي، كما في بقية البلاد، ليست وليدة اختلالات الهوية أو العصبيات المحلية فقط، لأنها ترتبط أيضا بإحساس متزايد بأن النفوذ السياسي يتحول أحيانا إلى مسار مواز، غير مرئي، لتوجيه الاستثمار العمومي وتوزيع المشاريع. ولذلك جاء خطاب جكني كخاتمة تضع معيارا واضحا يؤكد بأنه لا معنى لأي إصلاح من دون نظام محاسبة فعال ولا معنى للحديث عن المستقبل من دون معالجة جذرية لأوجه الاختلال التي يعرفها الجهاز الإداري.
وما يميز هذا الطرح هو أنه يقدم مكافحة الفساد كامتداد منطقي لمحطات الزيارة السابقة؛ ففي انبيكت لحواش تم وضع حدود لتسييس القبيلة، وفي باسكنو وضعت قواعد للجوار الآمن، وفي تمبدغة تم رسم خطوط لإيقاع السياسة الداخلية. أما في جكني، فقد جرى تثبيت القاعدة الأخلاقية والمؤسسية التي يفترض أن تستند إليها هيبة الدولة وعدالة التوزيع ونظافة الادارة. وبذلك تصبح المحطة الأخيرة نقطة تجميع للخطوط التي رسمتها المحطات الأخرى، مما يجعل من خطاب جكني منعطفا حاسما في قراءة الزيارة وفهم أبعادها.
منطق الحكم
يظهر، عند جمع عناصر الزيارة وخطب محطاتها الأبرز، أن الأسبوع الرئاسي في الولاية لا تمكن قراءته بمعزل عن الإطار النظري الذي يحكم علاقة الدولة بأطرافها وإدارة الزمن السياسي في الأنظمة ذات المأموريات المحددة، وإعادة بناء الشرعية في مراحل التحول. فاختيار الحوض الشرقي نقطة انطلاق يعكس ما تؤكده أدبيات الدولة المعاصرة من أن الأطراف هي بالدرجة الأولى ميدان لاختبار مدى قدرة الدولة على دمج البنى الاجتماعية المتنوعة في مشروع وطني جامع. وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، حيث يتقاطع ضعف الدولة في مالي مع صعود الفاعلين غير الرسميين وشبكات التأثير العابر للحدود، تصبح ولاية كالحوض الشرقي معيارا بالغ الدلالة لمدى حضور الدولة وقدرتها على التعامل مع التحديات من مواقعها الأكثر حساسية.
ولا ينفصل هذا الإدراك عن طبيعة الزمن السياسي الذي تعيشه البلاد؛ فالمأمورية الحالية هي الأخيرة دستوريا وهو ما يجعل لحظة الحكم - وفق التجارب المقارنة - عرضة لتوترين متوازيين هما توتر النخب التي تستبق نهاية العهد عبر بناء دوائر نفوذ جديدة، وتوتر المجتمع الذي يخشى من أن يتحول المستقبل السياسي إلى مساحة من الغموض أو من الصراع المكشوف. ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس في تمبدغة على ضبط سباق الخلافة المبكر والدعوة إلى حوار وطني واسع؛ إذ بدا الخطاب كأنه محاولة للانتقال من إدارة اللحظة الانتخابية إلى إدارة قواعد اللعبة نفسها، وهو ما يشكل في الأنظمة السياسية التي تشهد انتقالات حساسة مدخلا لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمؤسسات ولمنع تعدد مراكز القرار داخل الدولة.
ويمتد هذا الإطار إلى بعد آخر أكثر عمقا يتعلق بمفهوم الشرعية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث أن الشرعية لم تعد تستمد فقط من الانتخابات وحدها، وإنما أيضا من قدرة الدولة على معالجة مستويات متداخلة من القلق تشمل قلق الهوية والانتماء الذي تجّى في خطاب انبيكت لحواش حول حدود توظيف القبيلة سياسيا؛ وقلق الجوار والتداخل الأمني كما ظهر في خطاب باسكنو الذي بنى معادلة دقيقة بين الصداقة والحذر؛ وقلق الاستمرارية المؤسسية الذي برز في تمبدغة من خلال الدعوة إلى مراجعة بنية المؤسسات وأدوارها؛ ثم قلق العدالة والحوكمة الذي طغى على خطاب جكني في محاربة الفساد بوصفه تهديدا لبنية الدولة نفسها. وعند وضع هذه المستويات جنبا إلى جنب، فإنها تكون قادرة على رسم معالم "شرعية مركبة" تسعى الدولة إلى صياغتها في لحظة يتزايد فيها الضغط العام على فعالية المؤسسات ويتقدم فيها الإقليم نحو مستوى جديد من الفوضى.
وعلى هذا الأساس، تتجاوز الزيارة معناها المباشر كزيارة تفقد وتنمية لتغدو فعلا سياسيا يقدم تصورا جديدا لدور السلطة في مرحلة ما قبل الانتقال السياسي المقبل. أي أنها يمكن القول بأنها زيارة تخاطب الداخل لتثبيت العاصمة وتستحضر خريطة القلق لبناء خريطة جديدة للممكن السياسي، وتضع في آن واحد حدودا للفاعلين التقليديين وحدودا للجوار وحدودا لكبار معاوني الرئيس وحدودا للفساد.
وهكذا تكشف قراءة الزيارة الرئاسية للحوض الشرقي، عند جمع تفاصيل مسارها وخطب محطاتها ومعانيها الضمنية، عن مسعى أعمق من مجرد تواصل "للقمة مع القاعدة" أو تقديم جرد بالإنجازات أو إطلاق مشاريع تنموية؛ إذ بدا واضحا أن الدولة من خلال صاحب أسمى منصب فيها قد قررت أن تختبر في الحوض قدرتها على إعادة ترتيب أولوياتها في لحظة تتزاحم فيها الضغوط الإقليمية وتتعاظم فيها أسئلة الداخل.
فالخطاب الذي بدأ من محاولة ضبط تأثير القبيلة في انبيكت لحواش وانتقل إلى رسم معادلة الجوار في باسكنو ثم تدرج إلى تحييد صراع الخلافة وإطلاق أفق مؤسسي للحوار في تمبدغة قبل أن ينتهي إلى مبدأ المحاسبة ومركزية مكافحة الفساد في جكني، كان في الواقع إعادة بناء هادئة لـ"خريطة القلق" التي تؤرقها؛ أي قلق الهوية وقلق الحدود وقلق المستقبل السياسي وقلق العدالة. ومن خلال هذه المقاربة المتدرجة، تكون السلطة قد سعت إلى تثبيت معادلة جديدة بين الدولة ومجتمعات الأطراف وبين النخبة والشرعية وبين الداخل والجوار، مع تأكيد أن المأمورية الأخيرة لا يجب أن تتحول إلى فراغ سياسي أو سباق مبكر على المواقع، وإنما يجب أن تكون مساحة لإعادة تأسيس قواعد العمل العام.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه هو أن الزيارة لم تكن محاولة للهروب من الأسئلة الكبرى المطروحة اليوم، بل يمكن القول بأنها مثلت مواجهة مباشرة وصريحة معها. ومن خلال المنهج الذي أرسته الزيارة، بدا أن الرئيس حاول تقديم تصور عن حضور الدولة في الحوض كصيغة جديدة لإدارة التحديات، عبر تحويلها إلى أجندة سياسية محددة المعالم، وعبر تعزيز الصلة بين الداخل والمركز بخطاب متوازن يجمع بين الحزم والطمأنة وبين الواقعية ومتطلبات التحديث. وفي المحصلة، فإن الزيارة عكست رؤية أوسع للشرعية في موريتانيا اليوم؛ وهي شرعية تتأسس على القدرة على فهم تشابك المجتمع وتقلبات الجوار ورهانات المستقبل، وترتكز بشكل أخص على صياغة خيارات مدروسة تحافظ على استقرار الحاضر وتمنع انزلاقه إلى أشكال جديدة من الهشاشة على غرار ما هو موجود في بعض دول الجوار.


.jpg)
