
أصبحت الكراهية مصدر قلق متزايد فى السنوات الأخيرة لدى المؤسسات الرسمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومراكز البحث ، خاصة عندما انتشر بشكل متزايد خطاب الكراهية عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، مما أدى إلى الإساءة للأفراد والجماعات والانتقاص من آدميتهم في تعارض مع قيم الديمقراطية والتعددية الثقافية ومبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا.
وأولت رابطة العالم الإسلامي اهتماما كبيرا لموضوع مكافحة الكراهية والحد من خطرها على السلم والأمن العالميين، وتأثيراتها السلبية على الجهود الدولية الهادفة إلى تعزيز الحوار بين الثقافات ، وترسيخ التحالف بين الحضارات، وتأمين التعايش بين أتباع الأديان ،ونشر قيم التسامح والوئام والعيش المشترك بين الشعوب .
وفي هذا السياق أطلقت الرابطة عام 2021 حملة دولية للمطالبة بحظر مروّجي التخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) والمحتوى المسيئ للإسلام عبر منصات التواصل الاجتماعي. وفي عام 2022 وقعت اتفاقية شراكة وإطلاق "المعمل الدولي للأديان" مع جامعة كولومبيا العريقة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. ويهدف "المعمل الدولي للأديان" إلى بناء القدرات المضادة لمفاهيم الكراهية والعنف والصدام الحضاري، وتطوير برامج تدريبية موثوقة للمعلمين لردع مخاطر التطرف، وتعزيز عوامل الحماية ضد الأشكال العالمية من الكراهية والعنف التمييزي، وتعزيز الجهود المشتركة، ودعم المبادرات والبحوث الهادفة لتحسين التعايش والتعاون في صُنع عالمٍ أكثر سلاماً وتعاوناً.
وعلى المستوى الفكري والتنظيري، أشرفت الرابطة على إصدار وثيقة مكة المكرمة وترجمتها لكثير من اللغات العالمية بعد أن اعتمدها 1200عالم من مختلف المذاهب والطوائف، في ختام أعمال المؤتمر الإسلامي الذي نظمته الرابطة في مكة المكرمة في شهر مايو 2019 حـول (قيم الوسطية والاعتدال في نصوص القرآن والسنة)، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود. وفي ديباجة هذه الوثيقة تم التأكيد على أن المسلمين جزء من هذا العالم يسعون إلى بناء جسور المحبة والوئام الإنساني والتصدي لممارسات الظلم والصدام الحضاري وسلبيات الكراهية . كما رفضت الوثيقة مسببات الكراهية مثل عبارات وشعارات العنصرية ، وأكدت أن الحوار الحضاري هو أفضل السبل إلى التفاهم السوي مع الآخر، وأن الأحكام المسبقة المحملة بعداوات التاريخ ساهمت في نشر الكراهية . ودعت الوثيقة إلى سن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية والمحرضين على العنف والإرهاب والصدام الحضاري ، كما أكدت على أن الصراع والصدام يعمل على تجدير الكراهية واستنبات العداء بين الأمم والشعوب.
تكريم في مبنى الكونغرس بواشنطن
تقديرًا لجهود الرابطة في مكافحة الكراهية ، أقيم يوم 10 فبراير 2026 في مقر الكونغرس الأمريكي بمدينة واشنطن حفل تكريم فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى ، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ، رئيس هيئة علماء المسلمين. وبهذه المناسبة ألقى كلمة بعض أعضاء الكونغرس الجمهوري والكونغرس الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي ، وسيناتور من العاصمة واشنطن ، والمبعوث الأمريكي الخاص بمكافحة معاداة الساميتيزم ، وقسيسة الكونغرس الأمريكي في مجلس النواب . ونوهت هذه الكلمات بالدور الطلائعي الذي تقوم به الرابطة في بناء الجسور بين الثقافات ، ونشر قيم السلم والأمن والعيش المشترك ، وتعزيز التعاون والتفاهم بين أتباع الأديان ، والتصدي للتطرف والغلو والكراهية . كما أشادت بالمبادرات الحضارية والإنسانية ، وبالرؤية الحكيمة والمتبصرة للشيخ محمد العيسى باعتباره رجل سلام وداعية للمحبة والوئام .
وتفاعلا مع ما ورد في هذه الكلمات من اعتراف وتنويه واشادة ، أكد فضيلة الشيخ محمد العيسى في تعقيب مختصر أن الجهود التي تبذلها الرابطة تمثل القيم الإسلامية الداعية لسلام العالم ووئام مجتمعاته. وأعلن أن الرابطة ستواصل هذه الجهود من أجل تعزيز الحوار الإيجابي والفاعل بين الجميع لدعم ثقافة التفاهم والوعي والتعاون، انطلاقاً من استيعاب حكمة الخالق سبحانه في التنوع الحتمي للبشرية، ومن ثم تفهم الاختلاف بين البشر والتعامل معه بالمنطق الواعي والمتحضر، لا بمنطق الصراع والصدام
محاضرة حول 'المفهوم العام للكراهية'
وخلال مقامه في العاصمة الأمريكية واشنطن ، وبدعوة رسمية من رئيسة جامعة جورج واشنطن، ألقى فضيلة الشيخ محمد العيسى، محاضرةً فكرية أعقبها حوار حول "المفهوم العام للكراهية"، و"التعريف الشامل لمعنى معاداة أتباع الأديان والأعراق". وحضر هذا اللقاء الفكري عدد من الأكاديميين والطلاب و مراكز البحوث. و أوضح فضيلة الشيخ محمد العيسى في هذه المحاضرة ، أنّ الكرامة الإنسانية أصلٌ راسخ في القيم الإسلامية، وأنّ التشريع الإسلامي لا يجيز الإساءة إلى هذه الكرامة. وأكد أن الموقف الإسلامي من أتباع الأديان والأعراق، والوقوف ضد أساليب الازدراء والممارسات العنصرية، موقفٌ ثابت لا يتغير؛ لأنه يمثل قِيم الإسلام الراسخة. وفي هذا السياق قال : 'لم أجد أيّ نموذج لطرحٍ إسلاميٍّ مسؤول يمسّ احترام الكرامة الإنسانية لأيٍّ من أتباع الأديان والأعراق، مهما كان الاختلاف مع بعض أتباعها، أوالمحسوبين عليها، بسبب سلوكهم الذي يُمثّل أجندتهم أو أيديولوجيتهم السياسية أو غير السياسية التي لا علاقة لها بالدين ولا بالعرق, فالنصوص الإسلامية لا تسمح بأيّ تبرير للمعاداة العرقية، بل تعد ذلك 'جاهلية'، وهي حالةٌ من العدمية الدينية والحضارية والأخلاقية'.وأضاف: 'نحن نوضح قناعاتنا ومواقفنا بالحوار والحقائق، لا بشعارات وممارسات الكراهية والعنصرية'. وأبرز أنّ الكراهية مشاعر سلبية خطيرة تجاه الآخرين، مؤكدا أنها غالبًا ما تتطور إلى 'سلوك عنصري'، . وأشار إلى أن علاجها الجذري يكون بالتحصين ضدها من البداية في جميع منصات التأثير، وأهمها الأسرة والتعليم .
ختاما ، كان فضيلة الشيخ العيسى محقا في الـتأكيد على اعتبار التعليم والتربية صمام أمان وعلاجا جذريا لظاهرة الكراهية ، فالأمم المتحدة وضعت استراتيجية وخطة عمل بشأن خطاب الكراهية أوضحت من خلالها قوة التعليم التحويلية كأداة لمعالجة الأسباب والدوافع الجذرية لهذه الظاهرة. إذ يسعى التعليم إلى ترسيخ مجتمعات سلمية وشاملة وعادلة للجميع، بما يتماشى مع خطة عام 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
كما استطاع مرة أخرى أن يؤكد للرأي العام الأمريكي ، في شقه السياسي والأكاديمي والإعلامي ، أن رسالة الإسلام رسالة حضارية عالمية تدعو إلى المحبة والإخاء والسلم والأمن والتعايش بين الشعوب والأديان، وان اتهام المسلمين ودينهم ورسولهم بالتطرف والارهاب باطل ولا أساس له من الصحة .
________
د. المحجوب بنسعيد
الشبكة الدولية للصحافيين العرب والأفارقة


.jpg)
