ما الذي سيتركه الرئيس “روبرت موغابي” لشعبه بعد الرحيل؟ | صحيفة السفير

ما الذي سيتركه الرئيس “روبرت موغابي” لشعبه بعد الرحيل؟

سبت, 24/09/2016 - 10:29
موغابي

 

في خطوة مفاجئة للجميع, سحبت جمعية المحاربين الزيمبابويين القدماء، والتي كانت ركيزة أساسية لتأييد وشعبية موغابي لعقود من الزمن، دعمَها للرئيس، مطالبة إياه بالإستقالة, وواصفة إياه بـ “الديكتاتوري” , الفاسد و”الأناني”.

وفي حدّ تعبير المتحدث باسم الجمعية, العقيد المتقاعد “بيتا غوفهيا”: “نحن لا نملك الرئيس القادر على إدارة اقتصاد هذا البلد، وهذا هو السبب في أننا نصرّ على ضرورة رحيل موغابي. نحن لم نقاتل لتكون السلطة لشخص واحد, ونحن لم نقاتل كي تستفيد عائلة واحدة من اقتصاد هذا البلد.

أما الزعيم الزيمبابوي “روبرت موغابي”, في خطاب استغرق ما يقرب من الساعة (50 دقيقة) يوم الأربعاء, ردّ على الجمعية ورفض دعواتها, وذلك لأنه – أي موغابي – جاء إلى السلطة عبر أصوات الشعب. متّهما المنتقدين بالتآمر مع معارضين غربيين للإطاحة به من الحكم.

وفي حدّ قوله: “مادام الحزب يقول استمرّ سأستمرّ…ما دُمت أملك الطاقة وما دُمت حيا وما دام الرب يباركني سأستمرّ.”

يُعتبر الرئيس “روبرت موغابي” من الشخصيات الأفريقية الذين قاموا بأدوار هامّة في تحرير بلدانهم. وذلك لدوره في استقلال زيمبابوي من بريطانيا في عام 1980. غير أن تلك النظرة البطولية قد تختلف عندما يكون الحديث عن الأوضاع الراهنة في بلاده الذي يحكم عليه.

كان موغابي 92 عاما, وهو الرئيس الوحيد الذي عرفته البلاد على مدى 36 عاما منذ الاستقلال. وحاول حزبه بحث خليفة له بعد رحيله, ولكن هذه المحاولة أدخلت الحزب في خلافات.

يرى الكثيرون أن “جويس موجورو” نائبة الرئيس السابقة في المحل المناسب لتولى الرئاسة بعد موغابي. لكنه يبدو وكأن “غريس” زوجة الرئيس تملك خطة أخرى لاحتواء رئاسة البلاد حتى بعد وفاة زوجه الرئيس لتكون القيادة تحت وصاية العائلة.

في عام 2014 اتهمت زوجة موغابي وحلفائها نائبَة الرئيس آنذاك “جويس” – التي يتوقع أن تخلف موغابي, بالتخطيط لاغتيال موغابي. وهي مزاعم نفتها الأخيرة. لكنها أُقيلت من منصبها بعد عدّة أسابيع.

غريس موغابي, زوجة الرئيس موغابي.

تمّ اختيار “ايمرسون منانجاجوا” نائبا جديدا للرئيس, ومن ثمّ عادت قضية الخلافة مرة أخرى, بأن يكون “ايمرسون” من سيتولى رئاسة البلاد بعد الرئيس، غير أن زوجة الزعيم “غريس” مرة أخرى ألصقت التُّهم على هذا الأخير بتدبير حادث لقتل ابنها.. وهكذا تتوالت اتهامات زوجة الرئيس للسياسيين البارزين في البلاد, وصارت زيمبابوي في دوامة الاقتتال السياسي والذي بدوره أدى إلى خلق أزمات أخرى اقتصادية واجتماعية؛ لأن السيناريوهات السياسية والأحداث الرئاسية أشغلتْ الجميع.

أما بالنسبة لديون جمهورية زيمبابوي والتي تساهم في إعاقة تقدمها, فهي – مع كثرتها وتراكمها – لم تُسدَّد منها أي شيء. وفي حدّ تعبير “جون مانغوديا”, محافظ بنك الاحتياطي الزيمبابوي, لوسائل إعلام بلاده:

“حتى الآن لم ندفع أي شيء”, وأضاف: “هذا هو السبب في إجرائنا لعملية إعادة الاتفاق مع المؤسسات المالية الدولية. هذا كله جزء من تدابير إعادة الاتفاق وبناء الثقة.”

غير أن صندوق النقد الدولي, صرّح في يوم 14 يوليو, بأنه لا يوجد برنامج مالي تجري مناقشته مع زيمبابوي في الوقت الراهن.

تُقدر ديون زيمبابوي بحوالي 10،8 مليار دولار. مع تقدير الديون العامة بـ 5،6 مليار دولار؛ ما بين المؤسسات المالية المتعددة الأطراف: 2،2 مليار دولار، ونادي باريس: 2،7 مليار دولار، وغيرها: 700 مليون دولار.

صحيح أنه قد يكون استيلاء الأجانب على أراضي زيمبابوي في العقد الماضي ضمن أسباب مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية, غير أن الجفاف وقلة هطول الأمطار في الوقت الأخير، ساهما أيضا في تدمير الإنتاج الزراعي. ومن ثَمَّ انخفاض أسعار السلع الأساسية والانهيار في تدفقات رأس المال مما أسفر عن وجود القليل من المال في البنوك وفي خزائن الحكومة, وجعلتها غير قادرة لدفع مستحقات موظفيها.

ولكي تتمكن البلاد من احتواء الأوضاع الاقتصادية, لجأت الحكومة إلى سياسات فرضتها على بنوك البلاد لتقييد مبلغ السحب اليومي إلى مئة (100) دولار, الأمر الذي صنفها المواطنون كانتهاك لحقوقهم وتجويعهم, وأوقد نيران الاحتجاجات التي لم تشهد البلاد مثلها من قبل.

قبيل ذكرى الـ36 لاستقلال زيمبابوي في يوم 19 إبريل, شهدت البلاد مظاهرة شارك فيها عدد كبير من المواطنين. واستمرّت الاحتجاجات منذ ذلك الوقت إلى أسابيع ماضية . إضافة إلى إضراب وطني تسبب في إيقاف الأعمال وإغلاق المحلات.

إحدى مظاهرات معارضي موغابي قبيل يوم الاستقلال.

طالب المتظاهرون من رئيسهم محاكمة وزرائه الفَسَدة, ودفعَ أجور موظفي الخدمة المدنية في الوقت المناسب المحدد، لكنهم قوبلوا بالاعتقالات من قبل الشرطة والمحاكمات بتُهم محاولة الإطاحة بالحكومة.

هذا, كانت الخدمات الصحية في زيمبابوي أيضا تنهار مع انهيار الاقتصاد, وذلك بسبب الحظر المفروض على واردات السلع, وفشل الحكومة في دفع رواتب الممرضات. وكما تشير إحدى الوكالات, فإن 90٪ من مؤسسات الرعاية الصحية في زيمبابوي لا تملك الأدوية الأساسية في مخزونها، وهناك نقص حاد في العقاقير المضادة للفيروسات، والتي توزع مجانا لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية في المستشفيات العامة.

هذا, لا يوجد أي شك في أن قدرات موغابي الجسدية والعقلية (92 عاما) ضعيفة إلى الحد البعيد. لكنه ما زال مصرّا على مواصلة السلطة دون تنازل للجيل الجديد من شعبه كي يتولّوا قيادة البلاد الذي سيعيشون فيه بعد وفاته. وهو بذلك يمحو الآثار الإيجابية المتبقية في بلاده منذ أن وصل إلى الحكم في عام 1980.

حصلت “روبرت موغابي” على الفرصة الذهبية، واستغلّها لتحويل ما يُعرف بمكان الصراع، إلى بلد واعد ومستقر نسبيا بالمصالحة الوطنية، فضلا عن تحسينات أداء النظام الصحي والتعليم حيث حقق البلاد معدلات محو الأمية أعلى بكثير من 90 ٪ , على الرغم من انتهاكات حقوق الإنسان.

ولكن هذه وغيرها من مكاسب الفترة الأولى للاستقلال, أصبحت سرابا وبعيدة المنال، وخاصة في وجوه جيل الشباب الذين ولدوا بعد عام 1980 وهم يعانون حاليا من الوطأة الكاملة من سوء حكم محرّر بلادهم ورئيسهم “موغابي”.

إذْ يتحرك “موغابي” إلى مزيد من السلطة والتشبث بالحكم – وهو في غروب شمسه؛ فإن الصور الدائمة بالنسبة للكثيرين هي: أنه زعيم غير متسامح، سيغادر وسيترك بلاده في حالة خراب, دون إيجاد أي عُمْلة خاصة بها، مع كونه يشاهد  زوجته وهي تهين المواطنين وتلصق التهم إلى الوطنيين الذين ساهموا في تحرير البلاد من قبضة السارقين.

المصدر: أفريكا عربي

غريس موغابي, زوجة الرئيس موغابي.
إحدى مظاهرات معارضي موغابي قبيل يوم الاستقلال.