
سبعٌ وخمسون عاماً مضت على تأسيس منظمة التعاون الإسلامي التي انطلقت من الرباط بالمملكة المغربية، في الثاني عشر من رجب عام 1389هـ، الموافق للخامس والعشرين من سبتمبر عام 1969م، تحت اسم «منظمة المؤتمر الإسلامي».
وتتزامن هذه الذكرى العزيزة على قلب كل مسلم مع مرور أسابيع قليلة على تسلمي مهامي أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي؛ مما يضفي على هذه المناسبة دلالة رمزية عميقة تزيدني استشعارا لعظم الأمانة، وعزما على الوفاء برسالة المنظمة ومسؤوليتها إزاء ما تعقده عليها شعوب أمتنا من آمال.
إننا نستحضر، في هذه الذكرى، لحظة ميلاد المنظمة، حين هزت جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك وجدان الأمة الإسلامية، فاستنهضت إرادتها لتوحيد صفوفها وصون مقدساتها. وقد نجحت منظمتنا، بفضل الله، وبعزم مؤسسيها، وحتى اليوم، في إبقاء جذوة القضية الفلسطينية متقدة، وفي الحفاظ على مرجعياتها الثابتة، صونا لحقوق الشعب الفلسطيني، ودعما له في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف.
ومع بقاء هذه القضية في صميم رسالتها، اتسعت آفاق المسؤولية الجماعية التي نهضت بها المنظمة لتشمل، إلى جانب العمل السياسي، مجالات التعاون الاقتصادي، والثقافي والاجتماعي والعلمي.
ومن يجول بناظره في تاريخ منظمة التعاون الإسلامي التي بدأت فكرة، وتوسعت بجهود قادتها ودعم دولها الأعضاء، سيلاحظ أنها ظلت وفية لغايتها الأسمى في تعميق التضامن الإسلامي وصون وحدة الموقف إزاء مختلف قضايا الأمة، مسترشدة بميثاقها ومبادئها وأهدافها، ومستندة إلى عدالة مطالبها، وانحيازها الدائم إلى الحق والمساواة، وحرصها على فهم الآخر واحترامه.
وقد تجسد هذا النهج من خلال تحقيق إنجازات في مجالات عديدة، من دعم التنمية وتعضيد التكافل ومحاربة الفقر، إلى مكافحة الإقصاء والتهميش وتعزيز قيم العائلة. وفي هذا السياق، اضطلعت المنظمة بدور مهم في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والمساهمة في توفير العيش الكريم للاجئين والنازحين في أكثر من بقعة في العالم الإسلامي وخارجه. كما تابعت شؤون المجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء، وأسهمت في التصدي لموجة التطرف والغلو التي عصفت بالعديد من دولنا.
وفي مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، رسخت المنظمة حضورها محاورا فاعلا لدى الدول والدوائر الغربية، وانتزعت اعترافا بعدالة مطالبها، تجسد في الاستجابة لها في أكثر من مناسبة، بما يسهم في تهيئة بيئة أكثر انفتاحا على التعايش ونبذ الكراهية.
وقد شكلت هذه القضايا، على مدى عقود، مجالات تميز لعمل المنظمة، وجعلت منها إطارا جامعا للتلاقي ومعالجة الأزمات والبحث عن أفضل الحلول، استنادا إلى الهوية المشتركة المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف وقيمه المبنية على الاعتدال والوسطية.
إن هذا الفهم للدور التاريخي لمنظمة التعاون الإسلامي يعمق شعوري بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، ويدفعني للعمل على بلورة رؤية جديدة للمنظمة، تستجيب لمقتضيات دورها في مواجهة التحديات العالمية والإقليمية، وتستند إلى ثوابتها ومرجعياتها الأصيلة، بما يمكنها من تسخير ما راكمته من قدرات وخبرات في خدمة مصالح الأمة الإسلامية وتوثيق عرى التضامن بين دولها الأعضاء.
إن المنظمة تواجه اليوم اختبارا بالغ الصعوبة، في ظل تجاذبات دولية تفاقمها توترات إقليمية عميقة، وتعقيدات اقتصادية متنامية تتراكم سنة بعد سنة، وأزمات إنسانية وبيئية حادة تدفع ثمنها الدول الفقيرة والفئات الأكثر ضعفا وهشاشة. وتزيد من أعباء هذه المسؤولية التحولات المتسارعة وغير المسبوقة التي يشهدها العالم، مع دخول تقنيات جديدة إلى حياتنا اليومية، وما يصاحبها من تحديات متشابكة يصعب حتى على الدول الكبرى مواجهتها، فكيف بالعالم الإسلامي الذي تثقل كاهله أزمات متراكمة تستنزف موارده وتحد من قدرته على مواكبة هذه التحولات
إن منظمة التعاون الإسلامي التي تضم سبعاً وخمسين دولة تتوزع على أربع قارات، وتمثل قرابة الملياري مسلم، بمن فيهم المجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء، تجد نفسها ملزمة بمواكبة تسارع التطور الكوني الحاصل، وهي مثقلة بإرث متراكم من الحروب الأهلية وهشاشة الوضع السياسي والاضطرابات وضعف البنى الاقتصادية.
إن لها، ولله الحمد، من الإمكانات المؤسسية والبشرية والمادية ما يعينها على النهوض بهذه المسؤولية؛ إذ تستند في عملها على أربعة وأربعين جهازاً تحت مظلتها، ما بين منظمات متفرعة ومنتمية ومتخصصة ومستقلة، فضلا عن ثماني مكاتب تابعة لأمانتها العامة في نيويورك وجنيف وبروكسيل، ورام الله، وبغداد، ومقديشيو، ونيامي، وكابول؛ إن هذه الشبكة المؤسسية توفر للمنظمة أذرعاً عديدة تعزز حضورها في جميع أنحاء العالم، وتشكل، بوصفها إطارا جامعا، وبما تملكه دولها الأعضاء من ثروات وطاقات بشرية هائلة، أساسا للثقة في قدرتها على مواكبة المستجدات، وتبديد ما تثيره الأزمات المتفاقمة من شكوك في فاعليتها.
ومن هذا المنطلق، تتحدد الغاية التي أطمح إلى تجسيدها خلال السنوات الخمس المقبلة في بناء منظمة رائدة ومؤثرة؛ رائدة في أدائها، بما تقوم عليه من كفاءة وحوكمة وشفافية وابتكار، وفي مبادراتها، بحيث تسهم في صياغة الحلول ولا تكتفي بمتابعة الأحداث؛ ومؤثرة في خدمة الدول الأعضاء والدفاع عن قضاياها وتعزيز حضورها الدولي، وبناء شراكات فاعلة تسهم في توطيد الأمن والسلام والتنمية.
ونحن مطالبون اليوم، بالمضي قدما في تنفيذ خطط وتوجيهات الدول الأعضاء، ومطلبها الملح إصلاحَ المنظمة، انطلاقاً من نجاحاتها السابقة في العديد من المجالات، وإثباتها لنفسها في محطات عدة. هذا مع السهر على أن تظل القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني إحدى أهم الركائز التي يتمحور حولها نشاط المنظمة؛ كما أن الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية والديبلوماسية الاستباقية والوساطة في النزاعات ودعم التحول الرقمي والتكنولوجي، والاستفادة من ثورة الذكاء الصناعي ومحاربة الفقر والحرمان، ستكون هي الأخرى على رأس أولويات المنظمة خلال السنوات القادمة.
وفي صميم هذه الأولويات، يأتي الاستثمار في الإنسان بوصفه المدخل الأجدى إلى بناء مستقبل أكثر ازدهارا؛ وذلك من خلال إيلاء التعليم والبحث العلمي والابتكار والاقتصاد المعرفي ما تستحقه من عناية، وتوسيع فرص الشباب والمرأة في الإسهام في مسيرة التنمية، بما يحول الثقل البشري للعالم الإسلامي إلى قوة منتجة ومؤثرة.
ويتصل بذلك البعد الاقتصادي والتنموي، إذ لا تزال استفادتنا الجماعية من الإمكانات البشرية والطبيعية والمالية لدولنا دون المستوى المأمول. ومن هنا، سنسعى، بالتشاور مع الدول الأعضاء، إلى عقد قمة اقتصادية للمنظمة، تضع رؤية عملية لتعزيز التكامل والتجارة والاستثمارات البينية والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يحول ما تزخر به دولنا من مقدرات إلى فرص تدعم النمو والتنمية المستدامة وتعود بالنفع المباشر على شعوبنا.
ويقتضي النهوض بهذه الأولويات وترجمة الإصلاح إلى واقع عملي تكاتف الدول الأعضاء تحت مظلة المنظمة، والتمسك بمبادئها وثوابتها، وتجسيد روح الوحدة في رؤية مشتركة ومواقف منسقة، تعزز وزن المجموعة الإسلامية في المنابر الدولية وتمنحها صوتا مسموعا ومؤثرا.
ولإسناد هذا العمل الجماعي وتوسيع آفاقه الدولية، ألتزم، من جانبي، بتوظيف ما راكمته من خبرة عبر مهام عديدة في بلدي وفي الأمم المتحدة وغيرها، لتعزيز الشراكات الدولية والتكامل مع المنظمات النظيرة إقليميا وعالميا، من خلال آليات دبلوماسية وتنموية متنوعة.
وينطلق هذا الالتزام من إيماني الراسخ بأن الانفتاح على الآخر، وتبادل الخبرات، وتكريس نهج الحوار، ركائز أساسية لنجاح نريد له أن يتجاوز حدود العالم الإسلامي، ليغدو نموذجا ملهما يمكن البناء عليه وتوسيع أثره، بما يعزز مكانة أمتنا ويؤكد قدرتها على الإسهام النوعي في تحقيق التنمية المستدامة على الصعيد العالمي.
وما من شك في أن هذا الالتزام يقتضي خطابا سياسيا وإعلاميا يبرز عمل المنظمة ورسالتها، وينقل الصورة الحقيقية للمسلمين والعالم الإسلامي، الذي لطالما استهدفته حملات التشويه وتأجيج الكراهية.
ولا يفوتني أن آعبر عن عرفاني لقادة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي على ما أولوني من ثقة ودعم، وأتطلع إلى مزيد مؤازرتهم في حمل هذه الأمانة، وإني عازم على البناء على ما أنجزته منظمتنا، واستنهاض ما تختزنه من طاقات، وفاء لمسيرة امتدت عقودا حافلة بالمنجزات ومفعمة بدروس التحديات. فعظمة المسيرة لا تكمن فيما تحقق من نجاحات فحسب، بل في القدرة على تجاوز العقبات واقتناص الفرص وتجديد العزم، لنصنع لأمتنا مستقبلا يليق بها في عالم يتشكل من جديد.



.jpg)
