مذكرات السجين السابق لدى البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة 26) | صحيفة السفير

مذكرات السجين السابق لدى البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة 26)

سبت, 21/01/2017 - 17:40

ج – الليلة الأولى في السجن: في احد أيام أكتوبر من سنة 1984 وفي حفرة الجحيم تلك التي يطلق عليها اسم "مدرسة 12 أكتوبر " تيمنا بيوم ما يسمى بالوحدة الوطنية الصحراوية , عدت بعد يوم شاق من العمل إلى الغرفة التي اسكنها مع مجموعة من الأساتذة والمعلمين لأخذ قسط  من الراحة , فما زال أمامي عمل علي انجازه تلك الليلة قبل النوم ويتمثل في إعداد برامج الإذاعة المدرسية وتدريب التلاميذ على تقديمها قبل أن تذاع في الصباح الموالي , ولشدة تعبي ارتميت على طرف السرير وغبت في غفوة كان من الممكن أن تكون لذيذة لولا أن طرق نذير شؤم نافذة الغرفة وهو ينادي باسمي : إنهم يريدونك في المديرية (إدارة المدرسة) .

نهضت دون تعليق وتوجهت إلى حيث يريدونني , وفي الطريق كنت (دون مبالغة) اسمع أصوات نبضات قلبي وكأنها أصوات طبول لعلمي أن ما ينتظرني ليس خيرا ,فقد مضى علي أكثر من عام وانا أتعرض للمضايقات والاتهام بأنني عضو نشط في شبكة جواسيس موريتانية تسعى إلى تخريب الجبهة من الداخل , وللعلم فقد كانت تلك التهمة مفصلة على مقاس كل الموريتانيين الذين التحقوا طواعية بالبوليساريو من اجل مناصرتها , ولا يزال أحد أكبر مهندسي تلك التهمة الخبيثة إلى اليوم يتبجح بأنه لم يعذب ولم يقتل إلا الموريتانيين.

دخلت "المديرية " كما اخبرني نذير الشؤم ذاك فوجدت في انتظاري مجموعة من الجلادين اعرف منهم : المحجوب إبراهيم عضو المكتب السياسي للجبهة بالإضافة إلى كل من احمد سلامة والخليفة الكوري بابي , وكانوا متحفزين للانقضاض على فريستهم كالذئاب الجائعة , و بما أن قطيع الذئاب عادة ما يترأسه الأكبر فقد بادرني المحجوب إبراهيم بلطمة على مؤخرة الرأس قائلا  " سمناك لتأكلنا " ولست أدري من أين جاء بفكرة التسمين ويومها كان البعض لنحافة جسمي يسميني (ا) فقاطعه أحمد سلامة  لأنه " ابن ... حاشا القارئين ... يقصد أمي " ، ورغم خوفي ورهبة الموقف بالنسبة لي فقد ألمني كثيرا و لا يزال يؤلمني ما رموا به أمي ، لأنها أطهر و أنقى من أن يقحموها في موضوع هم أدرى بأنه كذب و تلفيق .

بعد جلسة سب وشتم عددوا فيها كل ما تعلموه من سباب وشتائم أيام كان المحجوب إبراهيم راقصا يحيي الأعراس في الطانطان و كولميم خيروني بين أمرين ، إما أن أتعاون معهم في تلفيق التهم للأبرياء أو أن يرموا بي في السجن معقبين بأن روحي بالنسبة لهم مثل روح معزة ، و لا أخفي أنني بعد هذا التهديد الصريح فكرت في العرض الأول لأنجو بروحي غير أن فظاعة أن أرمي الأبرياء بذنب لم يقترفوه هونت علي قراري بأن أختار العرض الثاني ، و أجبتهم بأني لا أستطيع أن أكتب تقارير كاذبة اتهم فيها الناس ، وكان جوابي بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير ، فانتفض أحمد سلامة من مكانه مزمجرا : " تريد أن تسمم " ، و عاجلني بضربة على البطن أسقطتني أرضا ، و لم أسترد وعي إلا وأنا معصوب العينين مكبل اليدين والرجلين مرميا في مؤخرة سيارة لا أدري في أي اتجاه تتجه .

بعد قليل من استعادتي لوعي توقفت السيارة وأخرجوني منها و هم يجرونني على بطني حتى أدخلوني مكان اتضح فيما بعد أنه قبو تحت الأرض مثل القبر تماما ، ثم أزالوا القيد من رجلي والعصب  عن عيني ، و أغلقوا الباب علي ، وكان أول ما فكرت فيه بعد أن بقيت وحيدا في تلك الحفرة المظلمة هو هول الليلة الأولى للإنسان في القبر وكيف كانوا يصفونها لنا في المدرسة بأنها إحدى أعظم ليلتين علينا بعد الموت ، حتى ذهب بي التفكير إلى حد أنني أحلم ، فالفرق بيني وبين الميت هو أن قيوده تفك بعد أن يلحد ، و أنا بقيت مكبل اليدين ولكن بطريقة انسانية تسمح لي باستعمالها مجموعتين في الأمام وليستا وراء ظهري كما كنتا خلال نقلي إلى مقري الجديد .

 

   يتواصل ........