مذكرات السجين السابق لدى البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة 27) | صحيفة السفير

مذكرات السجين السابق لدى البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة 27)

أحد, 22/01/2017 - 16:36

أخذت أتحسس برجلي لأكتشف أثاث منزلي الجديد ، ولم يكلفني ذلك كبير عناء فقد كانت مساحته لا تتعدى المتر في متر ونصف ، فعثرت على قطعة بالية مما كان غطاء افترشتها وحاولت عبثا أن أنام ، فكنت كلما فكرت بأني أعيش ليلتي الأولى في السجن تذكرت أن ما هو قادم أعظم واني مقدم على أيام عجاف .

كان يوما استثنائيا بكل المعايير فقد كان أول يوم في حياتي أجد نفسي في سجن على مقاسي وليس سجنا كبيرا كالذي وجدنا أنفسنا فيه بعد سنوات من التحاقنا بجبهة البوليساريو.

في صباح ذلك اليوم اكتشفت أن الجلادين كانوا يعتبرونني أخطر مما كنت أتصور فقد كنت اقبع وراء بابين حديديين حيث أن سجني كان عبارة عن قبو صغير داخل قبو أكبر منه تحت الأرض وكان لكل واحد منهما بابه ، وكان ما يشبه النافذة مطل من القبر حيث أنا على مساحة في القبو الكبير ، توجد بها طاولة وكراسي ، وصناديق سأعرف محتواها عندما تبدأ جلسة "المصاج " في ذلك اليوم .

فتح البابان ودخل علي عملاق ذكرني ب " عوج بن عنق " الذي يقال في الأساطير الشعبية بأنه كان يأخذ السمكة بيده من البحر ويشويها على الشمس والذي كانت تخوفني به الوالدة بالليل كي أنام ، ولولا أني أقنعت نفسي بأنني لازلت على قيد الحياة لحسبته إما " منكرا " أو

" نكيرا " جاء يسألني ما الذي رماك في هذه الورطة ، ولماذا تركت الأهل والأوطان  ورميت بنفسك إلى التهلكة ؟؟ .

كان اسم ذلك العملاق ( ونه ولد ابليله ) ، وكان يحمل في يده سطلا من حديد من النوع الذي كانت تعلب فيه البسكويت الإيرانية ذات السعرات الحرارية العالية كما كانوا يروجون لها ، ظننت أنه يحمل لي فيه وجبة الفطور ، غير أنه كان فارغا وافهمني بلغة تخلو من الكناية والاستعارة بأنه سيكون بيت الخلاء في منزلي الجديد ، وجردني من الحزام الذي كنت أشد به البنطال وكذا كل أزرار البذلة التي كنت أرتديها عدا زر واحد ، ثم بدأ في أخراج محتويات تلك الصناديق وكانت عبارة عن مجموعة عصي وسلاسل وكابلات وحبال ، ويبدو أنها لم تكن كافية فقد أضاف إليها حزامي الذي جردني منه ، ثم فك قيدي وأمرني بالاستدارة وأن أضع يدي وراء ظهري ليكبلهما وقد اجتهد في ألا يترك مجالا للخطأ في عمله ,فقد لف الحبل حول يدي أكثر من خمس مرات حتى أحسست بالدم يتوقف على الدوران في أصابعي ، ثم غطى رأسي بكيس خشن تعبق منه رائحة نتنة ، تركني واقفا ، وسمعته وهو يغلق الباب علي يقول ابق حيث أنت " خليك فم " .

مر علي وقت ـ أقدره بساعات ـ كأنه دهر وأنا على تلك الهيئة لا أملك من أمري شيئا سوى انتظار ما يخبئه لي ذلك اليوم من عذاب ، عرفت من مقدماته أن وقعه سيكون أليما ، و"انتظار العذاب أشد من وقعه " كما يقال .

فجأة وبعد أن كدت أن أسقط من طول الوقفة فتح الباب ومن خلال صوت الخطى عرفت أنه لدي زوار وليس واحدا ، فسألني أحدهم ـ عرفت من صوته أنه أحمد سلامة ـ إن كنت تعبت ، ودون أن أدري بما أجيب قلت : لا بأس ، فرد : سنرى ، و أمر أحد مرافقيه بأن يخرجني من القبو الصغير ويجلسني أمام الطاولة .

 

يتواصل ........