الجزائر: آخر أيام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في السلطة | صحيفة السفير

الجزائر: آخر أيام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في السلطة

ثلاثاء, 18/02/2020 - 16:34

يستعد الشارع الجزائري لإحياء ذكرى مرور عام على الحراك الشعبي، الذي انطلق في 22 فبراير/شباط 2019 وأدى إلى سقوط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل/نيسان. فما الذي ميز آخر أيام الرئيس المريض؟ وكيف قرر الجيش تحت ضغط الشارع إجباره على الرحيل؟ نستعرض هذه القضايا الحاسمة في تاريخ الجزائر المعاصر من خلال كتاب ألفه الصحافي الجزائري فريد عليلات تحت عنوان "بوتفليقة، الحكاية السرية".

"استجابة لكل المناشدات والدعوات، ولأجل الاستمرار في أداء الواجب الأسمى، أعلن ترشحي للانتخابات الرئاسية". في العاشر من فبراير/شباط 2019، أعلن الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في رسالة للأمة نشرتها وكالة الأنباء الرسمية ترشحه لعهدة خامسة.

لكن الأيام التي أعقبت هذا الإعلان غير المفاجئ كانت آخر لحظات يقضيها في السلطة من لقبه الجزائريون "الرجل المريض" منذ تعرضه لجلطة دماغية في نهاية أبريل/نيسان 2013.

ففيما يحيي الحراك الشعبي في الجزائر السبت المقبل الذكرى الأولى لانطلاق المظاهرات المنددة بـ"العهدة الخامسة" التي أدت إلى سقوط بوتفليقة من سدة الحكم، نستعرض آخر خطواته نحو الخروج من تاريخ بلاده بطريقة مخالفة تماما لما كان يتصوره ويخطط له منذ توليه الحكم في أبريل/نيسان 1999. ونستند في مهمتنا أساسا إلى كتاب "بوتفليقة، الحكاية السرية" الذي ألفه الصحافي الجزائري فريد عليلات، المتخصص في شؤون الجزائر بمجلة "جون أفريك" في باريس. وسيباع الكتاب في المكتبات بفرنسا انطلاقا من الغد 19 فبراير/شباط 2020.

من كان يحكم، عبد العزيز بوتفليقة أم شقيقه سعيد؟

ويؤكد الصحافي من خلال التحقيقات واللقاءات التي أجراها حول أربع محطات بارزة في حياة عبد العزيز بوتفليقة، أي الجزائر وجنيف وباريس وأبوظبي، ما كان متداولا في البلاد لاسيما في أوساط النخبة، وهو أن سعيد بوتفليقة، الشقيق الأصغر للرئيس، أصبح يتشارك القرار السياسي مع أخيه الأكبر وبات يخطط معه لعهدة خامسة أثارت استنكار الجزائريين بشكل واسع وشديد.

ويروي فريد عليلات في كتابه أن سعيد بوتفليقة تجاوز صلاحيات الرئيس وتجاهل سيادة نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح، مشيرا إلى أنه بدأ يخطط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 مع بعض أصحاب القرار مثل رئيس الاستخبارات السابق محمد مدين المدعو "توفيق" لفرض ولاية خامسة رغم عجز بوتفليقة عن تولي مهامه الدستورية بسبب المرض.

وبدت الخطة بالنسبة لسعيد بوتفليقة بسيطة وفي المتناول، إذ كانت تقضي بعرض مرحلة انتقالية على المعارضة السياسية تسمح لأخيه البقاء في السلطة مقابل وعود بإجراء إصلاحات دستورية أبرزها تحديد مدة الحكم لولايتين اثنتين فقط.

وقوبلت هذه الفكرة بمزيج من الذهول والسخرية علما أن عبد العزيز بوتفليقة كان من ألغى المادة 74 من دستور 1996 والتي حددت فترة الحكم لعهدتين لا أكثر. فقد استدعى الرئيس السابق في أبريل/نيسان 2008 البرلمان بغرفتيه في جلسة استثنائية للمصادقة على تعديل دستوري يلغي المادة المذكورة ما يفتح المجال أمامه لعهدة ثالثة ثم رابعة.

ونقل الصحافي فريد عليلات في "بوتفليقة، الحكاية السرية" شهادات عدة مسؤولين بارزين سابقين (مثل محمد الشريف مساعدية، الزعيم السابق لحزب "جبهة التحرير" الذي حكم البلاد منذ استقلالها في 1962) بأن نية عبد العزيز بوتفليقة كانت منذ البداية الوصول إلى سدة الحكم والخلود فيها.

من جهته، صرح وزير الدفاع السابق خاد نزار في أكتوبر/تشرين الأول 2003 في الصحافة الجزائرية أن "بوتفليقة يفضل عائلته وعشيرته على مؤسسات الجمهورية"، مضيفا أن سعيد "أصبح الرجل الثاني" في الدولة رغم أنه كان مجرد مستشار غير رسمي.

رئيس أركان الجيش يطالب بوتفليقة بالاستقالة

وفيما حصل سعيد بوتفليقة على موافقة رئيس الاستخبارات السابق "توفيق" للمضي قدما في تنظيم مرحلة انتقالية، اصطدم برفض قاطع من قبل قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح. وعقد سعيد اجتماعات سرية مع "توفيق" ومع مسؤولين آخرين (رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس البرلمان) لأجل فرض خطته.

وأمام معارضة قايد صالح، فشلت الخطة من دون أن يستسلم سعيد بوتفليقة. فاستدعى الرئيس السابق في مطلع 2019 الهيئة الناخبة وحدد موعد الانتخابات الرئاسية في 18 أبريل/نيسان. وفي 9 فبراير/شباط، وقع حدث بارز في مسلسل تفجر الشارع الجزائري، وذلك بتنظيم حزب "جبهة التحرير" مهرجانا ضخما في العاصمة الجزائرية لدعم ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة. وفي غياب الأخير، أشهر المنظمون ما سماه الجزائريون يومها "الإطار" وهي صورة للرئيس المريض، الذي لا يتكلم ولا يمشي، اصطفى من حولها المشاركون لتزكية بطلهم.

وكانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس، فبدأ غضب الشارع يظهر علنا بداية من مدينة برج بوعريريج (نحو 270 كلم شرقي الجزائر العاصمة) في 13 فبراير/شباط ثم بلدة خراطة بمحافظة سطيف (300 كلم شرقي الجزائر) في 16 فبراير/شباط، وصولا إلى مظاهرات 22 فبراير/شباط بالعاصمة التي شارك فيها مئات الآلاف.

نهاية "حلم الموت في السلطة" بعد عشرين عاما في الحكم

وأمام هذا الوضع الجديد، قرر الرئيس السابق إرجاء الانتخابات إلى موعد غير محدد، ما أثار استياء أحمد قايد صالح بحسب كتاب "بوتفليقة، الحكاية السرية". وأمام إصرار سعيد بوتفليقة على احتكار الحكم، طلب رئيس أركان الجيش في مطلع مارس/آذار من الرئيس السابق الاستقالة من منصبه طبقا للمادة 102 من الدستور -التي تقضي بشغور منصب الرئيس في حال وفاته أو عجزه عن ممارسة مهامه.

لكن الرئيس رفض الاستقالة، فيما استمر شقيقه سعيد في اجتماعاته السرية مع "توفيق". وعرض الثنائي على الرئيس الأسبق ليامين زروال، الذي تولى الحكم في 1994 واستقال في سبتمبر/أيلول 1998، ترأس الفترة الانتقالية لكنه رفض "التواطؤ" مع الحلف الرئاسي. وفي ذات السياق، كشف فريد عليلات في كتابه أن سعيد كان أسر لوزير الدفاع السابق خالد نزار في 7 آذار/مارس 2019 بأن الرئيس "مستعد لفرض حظر التجول أو حال الطوارئ" لأجل وضع حد للحراك.

وكتب الصحافي عليلات أن مصير عبد العزيز بوتفليقة حسم في 2 أبريل/نيسان خلال اجتماع لقادة الجيش في مقر وزارة الدفاع بأعالي العاصمة، ليظهر الرئيس السابق في نشرة الثامنة للتلفزيون الرسمي وهو يقدم استقالته لرئيس المجلس الدستوري. انتهى الأمر بالنسبة إلى بوتفليقة، البالغ من العمر 82 عاما، وتبخر "حلمه بالوفاة في السلطة" بعد عشرين عاما من الحكم المطلق.

لكن الحكاية استمرت مع توقيف الشقيق الأصغر سعيد ومحمد مدين المدعو "توفيق"، فضلا عن 14 وزيرا وعدة رؤساء المحافظات ورجال الأعمال المقربين من دائرة الحكم، تمت إحالتهم جميعا إلى القضاء العسكري.

وكان عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان يشبه نفسه بالأمير عبد القادر، زعيم المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي بين 1834 و1847، قد أقنع قادة الجيش إثر استقالة ليامين زروال في نهاية 1998 بأنه "الرجل المناسب".

وبحسب "الحكاية السرية" لفريد عليلات، فإن الرئيس السابق الجزائري يقضي الآن أيامه وحيدا، برفقة أخته الوفية زهور.. بعيدا عن السلطة.
 

 

علاوة مزياني

افرانس 24