الذكاء الاصطناعي والكرامة الإنسانية.. | صحيفة السفير

الذكاء الاصطناعي والكرامة الإنسانية..

أحد, 27/09/2026 - 12:03

تتقاطع العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والكرامة الإنسانية عند مجموعة من الأبعاد الأخلاقية، والفلسفية، والحقوقية التي تحدد كيفية تنظيم وتوجيه هذه التقنيات لخدمة الإنسان بدلاً من التعدي على حقوقه أو التقليل من قيمته الذاتية. ويذهب كثير من الباحثين المهتمين بالموضوع إلى القول بوجود أربعة مبادئ أساسية لحماية الكرامة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي وهي : الاستقلالية وحرية الإرادة ، والعدالة والحياد ،والخصوصية وسرية البيانات، و الشفافية وقابلية التفسير.
ويؤكد مبدا الاستقلالية وحرية الإرادة على أن لا تسلب الخوارزميات وصناع القرار الآلي القدرة الإنسانية على التفكير والمفاضلة واتخاذ القرار الشفاف، خاصة في القضايا الفكرية والمهنية والحياتية المفصلية. وينص مبدأ العدالة والحياد على أن الكرامة تقتضي معاملة جميع الأفراد دون تمييز؛ لذا يلزم توخي الحذر من التحيزات الضمنية في البيانات التدريبية التي قد تؤدي إلى إجحاف بحق فئات أو ثقافات أو هويات معينة. بينما يشدد مبدأ والخصوصية وسرية البيانات على ضرورة حماية المعطيات الشخصية للمستخدمين لأن ذلك ليس مجرد إجراء تقني، بل هو بالأساس صون لكرامتهم وحرمة حياتهم الخاصة ضد الانتهاك والتحليل التنبؤي غير المصرح به. أما مبدأ الشفافية وقابلية التفسير فيؤكد على حق الإنسان في معرفة كيفية وأسباب اتخاذ قرارات آلية تؤثر على مقدراته أو حقوقه .
وهناك اتفاق عام اليوم على أن من أبرز التحديات التي تمس الكرامة الإنسانية اتخاذ قرارات بشأن الأفراد بناءً على خوارزميات صماء دون تدخل أو مراجعة بشرية متفهمة للسياقات الإنسانية والاجتماعية ، و استخدام التكنولوجيا لإنتاج محتوى مزيف يستهدف التشهير بالأشخاص، أو الانتهاك الفكري والتعدي على الملكية الفكرية وصناع المحتوى. كما يعد من تحديات الذكاء الاصطناعي الماسة بكرامة الإنسانية تحجيم دور العمالة البشرية في بعض المجالات دون توفير بدائل تعزز الشعور بالقيمة والإنتاجية لدى الفرد.
ومن الآليات التي يرى الخبراء أنها تحقق "الذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان" يأتي في المقام الأول آلية التأطير الأخلاقي والقانوني من خلال تفعيل الأطر التنظيمية الدولية والمحلية (مثل توصيات اليونسكو وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي) لضمان خضوع التقنية للمعايير الحقوقية. ثم هناك آلية الرقابة والرقمنة المسؤولة التي تؤكد على وجود العنصر البشري في مراحل التقييم والمراجعة واتخاذ القرار النهائي، لاسيما في المجالات القضائية والأكاديمية والإعلامية. إلى جانب ذلك هماك آلية ثالثة تتمثل في الشفافية وحفظ الحقوق وتنص على إلزام المطورين بالإفصاح عن مصادر البيانات، وإرفاق علامات مائية أو أدوات تحقق للمحتوى المولّد آلياً لحماية الملكية الفكرية والحقيقة التاريخية والثقافية.

• ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي

في العالم الإسلامي تزايد الوعي بأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي والوعي بالفرص الهائلة التي تتيحها استعمالاته المختلفة في ايجاد الحلول السريعة للمشاكل الأكثر إلحاحاً في المجتمعات. وبموازاة ذلك ، تزايد الاهتمام بمخاطر الذكاء الاصطناعي والتحديات التي يطرحها فيما يتعلق بانعكاساته السلبية على الإبداع البشري وأصالة البحوث العلمية. ولذلك تم إصدار ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي أطلقته منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) و"سدايا" في الفترة بين سبتمبر 2024 ومارس 2025. ووافقت على الميثاق 53 دولة إسلامية من الدول الأعضاء في منظمة إيسيسكو. ووصفه مراقبون دوليون بأنه علامة فارقة في إنشاء إطار أخلاقي وإستراتيجي مشترك للذكاء الاصطناعي في العالم الإسلامي. ويمثل الميثاق إطارًا توجيهيًا للدول الأعضاء لمواكبة التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وفق رؤية إستراتيجية موحدة، ويشكل ركيزة أساسية لتمكين الدول الأعضاء من استخدام الذكاء الاصطناعي، وحماية المبادئ الأخلاقية، وتأمين مستقبل رقمي مستدام.
ويبرز الميثاق التزام الدول الأعضاء بتسخير الذكاء الاصطناعي لصالح المجتمعات، بما يتوافق مع أطر الحوكمة الدولية والمبادئ الأخلاقية.

• مدوّنة تحالُف الحضارات لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وفي نيوريورك،نظمت رابطة العالم الإسلامي مؤتمرا حول موضوع : "الذكاء الاصطناعي للجميع...الإيمان والكرامة الإنسانية والذكاء الاصطناعي"بدعمٍ ومشاركةٍ من الأمم المتحدة، خلال أعمال الدورة الواحدة والثمانين للجمعية لعمومية للأمم المتحدة . وشارك المؤتمر الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، و المفوّض السامي للأمم المتحدة لتحالُف الحضارات، السيد ميغيل موراتينوس، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، و الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، السيدة ريبيكا قرينس بان، وعددٌ كبير من القيادات الدِّينية المهتمّة ببحوث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وممثّلون لكُبرى شركات الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة، وللبنكِ الدولي، وممثّلون لكبرى الجامعات الأمريكية، وأبرز المرشّحين لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وناقش المؤتمر سبل تعزيز المشاركة الدولية في معالجة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من خلال المنظور الديني والحضاري. وأوصى المؤتمر بتكليف "منظمة تحالُف الحضارات" بالأمم المتحدة بوضع: "مدوّنة تحالُف الحضارات لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، وتشكيلِ لجنة لهذا الغرض بقيادة المنظمة، تَشملُ عددًا من القيادات الدينية والخبرات الفكرية والتعليمية والتشريعية، وممثّلي شركات التّقنية للوصول إلى مشترك أُمميّ يُعَبِّر عن (تحالُفٍ حضاري) في هذا الخصوص .وفي هذه المناسبة أَعلنَ الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد العيسى، عزْمَ الرابطة على إطلاق مَعْملٍ للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع بعض شركات التِّقْنية، لوضع برامجَ تستفيد منها المؤسسات الدينية والتعليمية والإنسانية المرتبطةُ بالشأن الديني. كما أعلن عن أنه سيتمّ العملُ على أَتْمَتةِ عددٍ من المصادر والكتب الإسلامية والعربية، لتُصبح متاحةً لشركات الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية، وإنشاء وحدةٍ خاصةٍ تُعنى برصد أخطاء الترجمة، وتصحيحها.

• رسالة فاس" بشأن الحضارة الإنسانية والذكاء الاصطناعي

وفي السياق نفسه تجدر الإشارة إلى أن رابطة العالم الإسلامي شاركت في تنظيم المؤتمر الدولي حول موضوع : "مستقبل الحضارة الإنسانية في ظلّ الذكاء الاصطناعي"، الذي استضافتْهُ الجامعة الأورومتوسطية يومي 27-28 أبريل 2026 بمدينة فاس في المملكة المغربية، تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس . وأصدر المؤتمر الدولي في ختام أعماله "رسالة فاس في مجال الحضارة الإنسانية والذكاء الاصطناعي"، التي أكدت على أنّ الذكاء الاصطناعي يُمثّل فرصةً كبرى لتعزيز التقدم الإنساني، شريطة أن يتمّ تطويره ضمن إطارٍ يحترم القيم الكونية والكرامة الإنسانية ومبادئ الإنصاف. كما أكدت على أنّ تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي يقتضي تطوير آليات للتقييم والتدقيق والمراقبة، مع إدماج البعد الإنساني بشكل أفضل. وأوضحت رسالة فاس أنّ المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني والتضليل الإعلامي وخطابات الكراهية تتطلب تطوير آليات فعالة للرصد والإنذار والاستجابة، داعين إلى تشجيع تطوير نماذج ذكاءٍ اصطناعيٍّ تُراعي الخصوصيات الثقافية واللغوية، بما يُعزّزُ السيادة الرقمية ويضمن ولوجًا عادلًا لهذه التكنولوجيا. كما أكدت ضرورة توجيه الذكاء الاصطناعي لخدمة السلام والتنمية المستدامة وتعزيز التقارب بين الثقافات والحضارات.

• الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان

في ختام هذا المقال من المهم الإشارة إلى اجتماع أباطرة الذكاء الاصطناعي في اسكتلندا بالمملكة المتحدة، يوم 17 سبتمبر 2026، لمناقشة محور واحد حول سبل الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الإبقاء على تحكُّم الإنسان فيه؟ . وقد نشر نشر الباحث الأكاديمي الموريتاني الدكتور السيد ولد أباه مقالة حول مجريات هذا الاجتماع في جريدة الاتحاد الإماراتية يوم 20 سبتمبر 2026 تحت عنوان " الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان " ذكر فيها أن هذا الاجتماع عقد بدعوة من الملك تشارلز الثالث، وذلك تفاعلا مع التحذير الذي أطلقه داهريو أموداي، مؤسس ورئيس شركة «أنتروبيك» التي طوّرت شبكة كلود المعروفة، في مطالبته بإبطاء حركية الذكاء الاصطناعي، من أجل توفير ضمانات مؤكدة لقدرة الإنسان على التحكم فيه. وأشار الدكتور السيد ولد أباه أن من المخاطر التي يذكرها أموداي احتمالية استقلال الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري مستقبلاً، بما يجعله غير متلائم مع الأهداف الأصلية لهذه التقنية الجديدة، والتأثير الذي يمكن أن يكون سلبياً في بعض الأحيان على نظام الشغل والنشاط المهني للبشر، فضلاً عن أساليب الرقابة والضبط والمتابعة، بما يعرِّض الحريات الفردية والعمومية في البلدان الليبرالية للخطر. واستنتج الأأكاديمي الموريتاني أن موجة الذكاء الاصطناعي تفتح آفاقاً رحبةً للإنسانية في مشروع التحسن النوعي للوضع البشري من خلال الإبداع والاختراع،.
وقال " إن ما تجسّده الثورة التقنية الجديدة هو تحويل الذكاء البشري نفسه إلى وقود للتنمية الصناعية والحركية الاقتصادية، في الوقت الذي تتزايد فيه إمكانات استقلال الآلة التقنية عن الإنسان وتنمحي الفروق الجوهرية بين الماكينة الاصطناعية والإنسان ذاته." وتساءل في ختام مقاله : "ما هي العلاقة الممكنة بين آلة تقنية واعية ومفكرة ونوع إنساني سُلب عناصر الضعف والوهم والتردد التي هي مقومات كرامته وحريته؟ "

___________
المحجوب بنسعيد/
ياحث في الاتصال والحوار الحضاري