
انطلاقا من ميثاقها واستنادا إلى توجهات ومبادئ وثيقة مكة المكرمة ، ومضامين إعلان القيم الإنسانية المشتركة ، دأبت رابطة العالم الإسلامي على المشاركة بشكل فاعل في المحافل والفعاليات المرتبطة بـتحالف الحضارات ، والمساهمة في تعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات ودعم السلم العالمي وقيم العيش المشترك . وتمثل ذاك في مشاركة أمينها العام فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى في الاجتماعات السنوية لمجموعة أصدقاء تحالف الحضارات ، وفي المنتديات العالمية المتعلقة بتحالف الحضارات . وحرصت رابطة العالم الإسلامي على الانتقال من المبادئ إلى العمل من خلال التركيزعلى أهمية تفعيل الشراكات المؤثرة وبرامج التعليم المشتركة بدلا من الاكتفاء بطرح المبادئ النظرية للحوار.
وفي هذه المناسبات الدولية ، حرصت رابطة العالم الإسلامي على طرح القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع الدولي والبشرية عامة ، وخاصة الحد من الكراهية والإساءة للأديان والإسلاموفوبيا والتمييز العنصري والفقر والحروب ، إلى جانب تسليط الضوء على القضايا العادلة وفي طليعتها القضية الفلسطينية، والمطالبة بحماية المدنيين ودعم مسار السلام العادل.
وفي هذا الإطار، شاركت رابطة العالم الإسلامي في الاجتماع السنويّ رفيع المُستوى لمجموعة أصدقاء تحالُف الأُمَم المُتّحدة الذي عقد هامش أعمال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر الماضي بمدينة نيويورك. وشارك في هذا الاجتماع مساعد الأمين العام للاتصال والتعاون الدولي، الأستاذ عبد الوهاب بن محمد الشهري، نيابة عن الأمين العام للرابطة ، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية والدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية والدينية . وألقى ممثل رابطة العالم الإسلامي كلمةً أوضح فيها موقفَ الرابطة في عددٍ من القضايا، وفي طليعتها القضية الفلسطينية. وتطرَّق إلى أهميّة الانتقال بالحوار، من المبادئ إلى العمَل والشَّراكات المُؤثّرة، مستعرِضًا جُهود رابطة العالم الإسلامي في التعليم والحوار بين أتباع الأديان، وتعزيز سِلم المُجتمعات.وشدَّد الشهريُّ على الضرورةِ المُلحّة لحماية المدنيين في "غزّة"، والإنهاء العاجل لمعاناتهم، ونَيْل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وفي مقدِّمتها حقّه في إقامة الدولة الفلسطينية المُستقِلَّة ذات السيادة، وَفق مسار حلِّ الدولتين والقرارات الدّولية ذات الصِّلة، باعتباره السبيلَ الوحيدَ لتحقيق السّلام العادلِ والدائمِ في المنطقة.
وفي ختام الاجتماع تم اعتماد أربعة مجالات عمل رئيسة في المرحلة المقبلة طرحها الممثل السامي للتحالف السيد ميغيل أنخيل موراتينيوس ، وهي تحديد الأولويات وأطر العمل المستقبلية ، ومواجهة خطاب الكراهية والتعصب الديني، والتطوير المؤسسي والتمكين الفئوي ، والتدبير المالي والمؤسسي.
منذ سيتينيات القرن العشرين، دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حوارالثقافات وتحالف الحضارات. كما أن الدعوة إلى هذا الحوار تعتبر سمة من سمات النصف الثاني القرن العشرين. ويلاحظ أنه بعد سنة 2001 التي أعلتنها منظمة الأمم المتحدة سنة للحوار بين الحضارات، شكلت قضايا الحوار بين الحضارات والثقافات والديانات محور العديد من المؤتمرات والاجتماعات التي عقدتها الأمم المتحدة. وقد صدرت عن تلك المؤتمرات قرارات وإعلانات وبرامج كان لها أثر بارز، لاسيما في ما يتعلق بالتأكيد على وجوب تسخير الحوار لخدمة القيم المشتركة ، واحترام أوجه الاختلاف، والعمل محاربة الفقر والميز العنصري وكراهية الأجانب والإرهاب والتطرف . وبذلك تشكل تيار قوي ما فتأ يتنامى على الصعيد الدولي يسعى جاهدا إلى تعزيز أطروحة مفادها أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية وتتحالف فيما بينها بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة.
في سبتمبر 2004 اقترح رئيس الحكومة الاسبانية أنذاك خوسي لويس رودريغيث ثباتيرو فكرة تحالف الحضارات في الأمم المتحدة بهدف مكافحة الارهاب ضمن اطار يضم الحضارات بعيدا عن منطق المواجهة بين هذه الحضارات. وتبنت الأمم المتحدة هذا المقترح ضمن مشاريعها وعينت لجنة من الحكماء مكونة من شخصيات عالمية أبرزها رئيس ايـــــران السابق محمد خاتمي ، والقس دسموند توتو من جــــــنوب افريقيا ، و أنــــــدري أزولاي مستشار ملك المغرب ، ورئيس اليونيسكو السابق فيدريكو مايور ســـارغوسا.
إن اهتمام المجتمع الدولي بتحالف الحضارات ينبع من الحاجة الملحة لتعزيز التعايش السلمي ومواجهة التطرف والصراعات الناشئة عن الاختلافات الثقافية والدينية في عالمنا المعاصر، و بناء جسور التواصل بين المجتمعات المختلفة وتجنب سيناريو "صدام الحضارات". ويركز الاهتمام الدولي على تحويل هذا التحالف إلى خطوات ملموسة عبر أربعة مجالات رئيسة . هي التعليم والشباب والإعلام والهجرة. ولتحقيق ذلك ، تم تأسيس مجموعة أصدقاء تحالف الحضارات كجزء من مبادرة تحالف الحضارات التي أُطلقت عام 2005 برعاية إسبانية تركية . وتضم المجموعة دولاً ومنظمات دولية تعمل معاً لدعم أهداف تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة وتعزيز الحوار بين الثقافات والتعايش بين أتباع الأديان. ويكمن دورها الأساس في توفير الدعم السياسي والعملي لتنفيذ أهداف التحالف، والمساهمة في صياغة خطط العمل الوطنية والإقليمية لمكافحة التطرف وخطاب الكراهية . ومن أهداف المجموعة منع النزاعات بواسطة التركيز على الدبلوماسية الوقائية والتعاون متعدد الأطراف للحد من التوترات الثقافية والدينية. وعقد اجتماعات رفيعة المستوى على هامش دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمشاركة وزراء خارجية وممثلي دول وحكومات ومنظمات إقليمية ، ثم مكافحة الكراهية من خلال إطلاق مبادرات وبرامج مشتركة لدعم الشباب وتعزيز المساواة ومواجهة التضليل الإعلامي.
لقد اشرت في مستهل هذه المقالة إلى أن رابطة العالم الإسلامي حرصت على المشاركة في المحافل والفعاليات المرتبطة بـتحالف الحضارات انطلاقا من ميثاقها واستنادا إلى توجهات ومبادئ وثيقة مكة المكرمة ومضامين إعلان القيم الإنسانية المشتركة . فميثاق الرابطة يدعو "الأمم عامة إلى التسابُق في ميدان العمل لخير البشرية وإسعادها، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفرادها، وإيجاد المجتمع الإنساني الأفضل." ومن بين أهدافها العناية بالتواصل الحضاري ونشر ثقافة الحوار.
وأكدت وثيقة مكة المكرمة التي صدرت عن المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في مايو 2019 على أن المسلمين " جزء من هذا العالم بتفاعله الحضاري، يسعون للتواصل مع مكوناته كافة لتحقيق صالح البشرية ، وتعزيزقيمها النبيلة ، وبناء جسور المحبة والوئام الإنساني، والتصدي لممارسات الظلم والصدام الحضاري وسلبيات الكراهية " كما اعتبرت " الحوار الحضاري أفضل السبل إلى التفاهم السوي مع الآخر ، والتعرف على المشتركات معه ، وتجاوز معوقات التعايش ، والتغلب على المشكلات ذوات الصلة " بل أكدت هذه الوثيقة الحضارية الإنسانية العالمية أن " أطروحة الصراع الحضاري والدعوة للصدام والتخويف من الآخر مظهر من مظاهر العزلة ، والاستعلاء المتولد عن النزعة العنصرية ، والهيمنة الثقافية السلبية ، والانغلاق على الذات " ، وأن "الصراع والصدام يعمل على تجذير الكراهية، واستنبات العداء بين الأمم والشعوب، ويحول دون تحقيق مطلب العيش المشترك ".
أما إعلان القيم الإنسانية المشتركة الصادر عن ملتقى ( القيم المشتركة بين أتباع الأديان) الذي نظمته الرابطة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية خلال شهر مايو من عام 2022 . فقذد تضمن عددا من المبادئ والتوصيات ذات الصلة بموضوع التحالف بين الحضارات ، ومنها الـتأكيد على أن تحالف الحضارات وتكاملها هو الأنموذج الأفضل لتخليص عالمنا من مخاطر صدامها. ودعا إعلان القيم الإنسانية المشتركة الضمير العالمي الحي إلى تعزيز بناء تحالف دولي من خلال إرادة صادقة وعادلة وفاعلة لخدمة الإنسانية بكامل حقوقها ،
من هذا المنطلق ظل الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، الأمين العام للرابطة، رئيس هيئة علماء المسلمين، يؤكد في خطبه ومحاضراته وتصريحاته الإعلامية على أهمية تعزيز التحالف الحضاري ، ويشرح أن لكل حضارة هُوِيَّتَها الخاصةَ بها، التي لا بد من تَفَهُّم حقها في الوجود، مهما كان الخلاف معها ، ويبين أن التواصل للتعارف والتعاون بين الأمم والشعوب هو نداء إلهي في كل الشرائع السماوية . كما حرص الشيخ لعيسى في هذه المناسبات على توضيح أن لكل حضارة خصوصيتُها وحقُّها في الوجود، ولا يمكن الدعوة لانصهار الحضارات في حضارة واحدة، كما لا يمكن أن تتفوق حضارة على أخرى إلا بالحقيقة التي تمتلكها وليس بهمجية القوة. ولا ننسى أنه دعا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتبني اقتراح على الجمعية العمومية لتخصيص يوم عالمي للتحالف الحضاري بين الشرق الغرب، وذلك لتحفيز أمم وشعوب الشرق والغرب نحو المزيد من الثقة المتبادلة والتفاهم والتعاون الفاعل في مواجهة المحرضين والمستفيدين من تصعيد الأفكار المتشائمة لنظرية الصدام الحضاري.
________
المحجوب بنسعيد/
باحث في الاتصال والحوار الحضاري



.jpg)
