مبررات وحجج لاستمرار الارتفاع المذهل لأسعار المواد الأساسية | صحيفة السفير

مبررات وحجج لاستمرار الارتفاع المذهل لأسعار المواد الأساسية

سبت, 31/12/2016 - 11:22

شهدت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية في الآونة الأخيرة موجة ارتفاع جديدة لدرجة بات معها المستهلك في حيرة من أمره. هذه الحلقة الجديدة من مسلسل ارتفاع الأسعار في بلادنا تأتي في ظرفية أقل ما يقال عنها إنها غاية في الصعوبة بفعل تضافر عدة عوامل، أبرزها ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وتدهور الوضع الغذائي في البلد، وتفاقم أزمة شح مياه الشرب في العديد من المناطق بما في ذلك العاصمة. وفيما لا يجد المواطنون تبريرا مقنعا لهذا الارتفاع المتواصل، تتمسك السلطات العمومية المعنية بما يسوقه التجار والمسؤولون من حجج ومبررات من قبيل تقلبات السوق الدولية، وانعكاسات ارتفاع أسعار النفط على تكاليف النقل البحري..

الأسعار في موريتانيا ذات اتجاه واحد؛ فهي لا تعرف الانخفاض أبدا، بل يتجه سهمها نحو الأعلى باستمرار.. هذه مسلمة لا جدال بشأنها، ولعلها المسألة الوحيدة التي تحظى بــ"إجماع وطني" كامل؛ ليس قبولا بها، وإنما تسليما بكونها أصبحت قدرا مكتوبا لا يتأثر بتغير الحكومات ولا بتغير الأنظمة، ولا حتى بتحسن الظروف الدولية وزوال المسببات المعلنة أصلا لتبريرها.

الارتفاع الجديد/ القديم للأسعار شمل المواد التالية على الأقل، حسب بعض تجار الجملة:

  • المعجونات الغذائية التي ينتهجها مصنع "فامو" وتلك التي ينتجها مصنع "الواحة" زادت بمبلغ 200 أوقية للخنشة من فئة 20 كلغ، أي بزيادة 10.000 أوقية للطن.
  • طن الدقيق الذي تنتجه "مطاحن موريتانيا الكبرى" و"مطاحن الساحل" ارتفع من 125.000 أوقية إلى 129.000 أوقية، وهو ما يمثل زيادة جديدة قدرها 4.000 أوقية عند الخروج من المصنع..
  • القمح: ارتفع من 88.000 أوقية إلى 100.000 أوقية للطن، وهي زيادة قدرها 12.000 أوقية، ويبدو أن هذه المادة تشهد أزمة حاليا، إذا ما صدقنا بعض تجار الجملة المحليين، الذين يزعمون أن السوق العالمية تعاني في الوقت الراهن من نقص حاد في مادة القمح (بما في ذلك القمح الخاص بالبذور) وتتفق مصادر قريبة من المفوضية المكلفة بالحماية المدنية مع هذا الطرح؛ مؤكدة أن هذه الهيئة المسؤولة عن الأمن الغذائي في البلد تعاني من صعوبات جمة في الحصول على قمح بالبيع في الأسواق الدولية من أجل تنفيذ خططها وبرامجها الاستعجالية والاحتياطية، وهي وضعية دفعت المستوردين والتجار إلى تبني أسلوب المضاربات والاحتكار..
  • السكر ارتفع من 124.000 أوقية إلى 132.000 أوقية للطن أي بزيادة 8.000 أوقية.

كما شهد سعر الأرز والزيت ارتفاعا ملحوظا..

القفزة الجديدة للأسعار خلفت وقعا شديدا على المواطنين؛ ليس لأنها استمرار لارتفاعات سابقة فحسب، وإنما لتزامنها مع حالة من الركود الاقتصادي العام في القطاعين الحكومي والخاص.. حيث يلاحظ توقف شبه كامل للمشاريع التنموية. فقد لوحظ خلال الأيام القليلة الماضية تراجع ملحوظ في أعداد مرتادي مخازن تجار الجملة في انواكشوط لدرجة توحي بأن أصحاب الدكاكين وأرباب الأسر يقاطعونها؛ إلا أن العديد من المراقبين والمتابعين لوضع السوق يعزون ذلك -أساسا- إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين بشكل أصاب حركة السوق بما يشبه الشلل الكامل.

هذا الارتفاع الجديد في الأسعار، وما يصاحبه من تدهور للقدرة الشرائية لا يثير قلق المختصين في هذا المجال؛ والذين يستبعدون حدوث مجاعة داخل الأحياء الفقيرة بالعاصمة، وإن كانوا يتوقعون تدهورا في الوضع الغذائي في عدد من المناطق الداخلية، بل ويرونه حتميا..

وبحسب أوساط قريبة من مسار تحديد الأسعار، فإن العملية تبدأ بالوسطاء المعتمدين لدى الجمارك، والذين يتولون إجراءات تخليص البضائع وغيرها من إجراءات الجمركة، وتكاليف التخزين والتعليب (الأكياس) والعبور، والإيداع؛ مرورا بمرحلة التوزيع داخل السوق التي قد تتطلب تدخل ما بين 3 إلى 7 وسطاء، تنتقل البضائع بينهم في طريقها من مخزن المستورد إلى دكان البيع بالسقط، وهذه العملية الأخيرة غالبا ما تكون سببا في غلاء الأسعار.

غير أن ما يشكوه المستهلكون بالدرجة الأولى يبقى غياب التنافس بين التجار في مجال خفض أسعارهم؛ وهو ما يدفع بمعظم المواطنين إلى الجزم بوجود تفاهم كامل بين هؤلاء حول الإبقاء على أسعارهم مرتفعة على الدوام..

 

كبار مستوردي المواد الاستهلاكية الأساسية

يلاحظ المتمعن في المواد الاستهلاكية الأساسية من خلال اليافطات التي تحملها الأكياس والعلب والحاويات على الأقل؛ تعدد مصادر هذه المواد، وتنوع الجهات التي جاءت منها، سواء من حيث التوزيع الجغرافي أم من حيث الشهرة الصناعية وجودة المنتجات التي تصدرها تلك الجهات..

بضائع أوروبية وآسيوية وإفريقية وحتى أمريكية.. ولا يعير الموريتانيون -في الغالب- كبير اهتمام لمعرفة مصادر البضائع التي يستوردها تجار البلد، ولا لجودتها ولا طرق استيرادها.. ولا يهمهم حتى من استجلبها إليهم.. ولئن كانت معرفة المنشأ وجودة البضائع، وطرقها تبدو صعبة، فإن كبار المستوردين في البلد معروفون؛ خاصة أولئك الذين يستثمرون في تجارة المواد الاستهلاكية الضرورية (كالأرز، والقمح، والشاي، والسكر، ومسحوق الحليب، والزيت..)

وبالرجوع إلى مصادر اتحادية التجارة الموريتانية -إحدى مكونات الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين- نجد أن أبرز مستوردي هذه المواد الاستهلاكية هم: سيدي محمد ولد غده، مؤسسات أهل عبد الله، مؤسسات أهل انويكظ شركة اسلمُ ولد تاج الدين (SAPAD) مؤسسات جمال ولد الشيخ، سونمكس، أهل خونا، لمرابط ولد محمد المختار، محمد سالم ولد الصبار، أحمد ولد أعمر بيجه.. وتقدر نسبة الربح التي يجنيها مستوردو المواد الاستهلاكية الأساسية بنحو 20 إلى 30% مقابل 10% تقريبا لمصانع المواد الغذائية المحلية..

 

مبررات تجار الجملة

 

لا يجد التجار الموريتانيون غضاضة في تبرير أي ارتفاع يقررونه -من جانب واحد على أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية وينسحب ذلك على مستوردي هذه المواد من الخارج وعلى مستوردي المواد الأولى من أصحاب الصناعات الغذائية في البلد..

أول حجة يتذرع بها هؤلاء التجار تتمثل في الارتفاع المتواصل للأسعار على مستوى الأسواق العالمية، ومنها تأثر تكاليف النقل البحري بارتفاع أسعار النفط.. هذا إضافة إلى ذريعة الفرق في العملات بين اليورو والدولار من جهة، وبين الأوقية من جهة أخرى، وكذلك تكاليف التأمين والعبور والإيداع والجمركة والضرائب.. وأخيرا اهتدى التجار إلى ذريعة جديدة اسمها "العولمة ومنظمة التجارة العالمية"..

فبخصوص الرسوم الجمركية كما حددها قانون ميزانية الدولة للسنة الحالية (2007) تتوزع حسب المواد الأساسية الأكثر استهلاكا على النحو التالي:

  • الأرز 33.95%
  • السكر 27.5%
  • الزيت 9.71%

كما يلاحظ ارتفاع في الرسوم على المصانع الغذائية في البلد..

وبغض النظر عن ارتفاع تكاليف النقل البحري العائدة إلى اضطراب أسعار النفط العالمي، يتذرع المستوردون بأعباء إضافية من قبيل إجبارية التأمين التي يفرضها ميناء انواكشوط المستقل على سفن النقل البحري بشكل يجعل هذه الأخيرة تفرض على أصحاب البضائع الموجهة إلى موريتانيا تكاليف إضافية تمكنها من تغطية هذا التأمين الذي جعل من ميناء الصداقة أكثر موانئ شبه المنطقة غلاء.. ولعل ذلك ما جعل بعض المستوردين يفضلون أحيانا الحجز على ميناء داكار، حيث تنتهج السلطات هناك سياسة لتشجيع المنتجات الاستهلاكية والنشاط التجاري في مينائها؛ خاصة بعد بدء منافسة الميناء الموريتاني في المياه العميقة له..

وبلغ دعم الحكومة في السنغال المجاور مقابل استمرار الارتفاع الجنوني في الأسعار داخل السوق الموريتانية، حدا باتت معه بعض المواد كالأرز تهدد بإغراق السوق الوطنية بعد أن أضرت بسياسات تطوير زراعة الأرز في الضفة اليمنى للنهر..

ولعل من المفارقات الكبرى في هذا الصدد أن السنغال يعتمد في بعض حاجياته على السوق الموريتانية ومع ذلك تبقى أسعارنا أغلى من أسعاره!..

السفير: العدد 544 بتاريخ 27 يونيو 2007