
في ختام أعماله اليوم الأربعاء 14 مايو 2026 بمدينة قازان، قرر المؤتمر العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو- في دورته الخامسة عشرة إعادة انتخاب الدكتور سالم بن محمد المالك ، مديراً عاماً للإيسيسكو لفترة ثانية تمتد من 2026 إلى 2029. لقد تم اتخاذ هذا القرار بإجماع الدول الأعضاء ودون تسجيل أي اعتراض أو وجود مرشح منافس.
دلالات الاختيار وركائزه
لاختيار الدكتور سالم المالك مدير عاما للإيسيسكو لولاية ثانية دلالات عديدة تستند جميعها على ركيزتين أساسيتين :
- الركيزة الأولى وتتجسد في ثقة بلده المملكة العربية السعودية التي بادرت بإعادة ترشيحه تقديراً لدوره في تطوير الإيسيسكو وتحويلها إلى منارة إشعاع دولي ، واعترافا بمساهمته البناءة في النهوض بالعمل الإسلامي المشترك
- الركيزة الثانية وتجسدها ثقة الدول الأعضاء في شخص الدكتور سالم المالك ، قياديا استراتيجيا مبتكرا ومجددا ، ولذلك حظي ترشيحه بتأييد جميع هذه الـدول البالغ عددها 53 دولة ، وهو إجماع يعكس الرضا العام عن الأداء المؤسسي والمالي للإيسيسكو .
وبناء عليه فإن إعادة انتخابه لولاية ثانية بالاجماع على رأس منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، تعد من جهة محطةً لافتة تعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها الإيسيسكو في مرحلتها الجديدة، وتؤكد من جهة ثانية المكانة الكبيرة التي تتبوأها المملكة العربية السعودية داخل محيطها الإسلامي والدولي، وقدرتها على تقديم نماذج قيادية ناجحة في المؤسسات متعددة الأطراف. ويحمل هذا التأييد الواسع في مضمونه تقديرًا للدعم الكبير الذي تحظى به الإيسيسكو من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ووولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وحرص المملكة العربية السعودية على تعزيز العمل الإسلامي المشترك، ودعم المؤسسات الفكرية والثقافية التي تسهم في صناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا للعالم الإسلامي.
لا يجب أن ينظر إلى إعادة انتخاب الدكتور سالم المالك لفترة ثانية على أنه انتصار شخصي أو ضربة حظ ، بل هو قرار موضوعي ومنطقي يستند إلى قناعة جماعية بأن المشروع الذي تتبناه الإيسيسكو اليوم ، بقيادته مع فريق الخبراء المتعاون معه ، أصبح مشروعًا واعدًا، وأن الإيسيسكو أصبحت تمتلك رؤية أكثر وضوحًا، وحضورًا أكثر تأثيرًا، وقدرة أكبر على ملامسة أولويات الدول الأعضاء وتطلعات شعوبها.
لقد حققت الإيسيسكو خلال الفترة 2019-2025 عددا مهما من الانجازات النوعية في إطار رؤية استشرافية مبتكرة جعلت الدول الأعضاء تلمس تحولاً جذرياً في عمل الإيسيسكو وانتقالا سريعا من الأماني المثالية إلى الإنجازات الواقعية ، ومن الأدوار التقليدية التي استنفذت مهامها إلى أدوار جديدة مواكبة للتحولات الدولية وأكثر انفتاحاً وديناميكية، من خلال رقمنة الإدارة، واعتماد سياسة الشفافية، وتحديث الهياكل التنظيمية.
من جهة أخرى يمكن القول بأن من دلالات إعادة انتخاب الدكتور سالم المالك مديرا عام للإيسيسكو الاعتراف بالاستقرار المؤسسي والاستمرارية والموافقة من الدول الأعضاء باستكمال المشاريع الكبرى التي شرعت الإيسيسكو في تنفيذها في الولاية الأولى للمدير العام . ويعني ذلك مواصلة دعم الابتكار والذكاء الاصطناعي في النظم التعليمية لدول العالم الإسلامي ، ومواصلة تنفيذ استراتيجية الحفاظ على التراث وتسجيل المواقع التاريخية في العالم الإسلامي على قائمة التراث العالمي ، وتعزيز الحضور الدولي والاندماج العالمي، والعناية بقضايا الشباب والنساء ، وجعل الاستثمار في الرأسمال البشري هو المحرك الأساسي لبرامج الإيسيسكو.
تحديات الولاية الثانية
من دون شك سيواجه المديرالعام المنتخب تحديات كثيرة بالنظر إلى التحولات والمستجدات الدولية ذات الصلة بمجالات اختصاصات الإيسيسكو التربوية والعلمية والثقافية ، وبضرورة تطوير أساليب التدبير المالي والإداري ،وتوفير متطلبات مواكبة متغيرات الحوكمة والشفافية وتأثير الذكاء الاصطناعي على تدبير الموارد البشرية . بخلاصة يمكن أن نقول إن شعار المرحلة المقبلة في الإيسيسكو هو " من إعادة الهيكلة إلى التمكين والاستدامة".
لقد كان الدكتور سالم بن محمد المالك واعيا بهذه التحديات حين قال في كلمته خلال افتتاح أعمال الدورة الأخيرة للمجلس التنفيذي للإيسيسكو " إن المنظمة ماضية في نهجها التجديدي والتحديثي، بما يجعلها ذات توجه عملي متكامل ،ويعزز موقعها ضمن المنظمات الدولية المرموقة، " . وأكد أن الإيسيسكو تتطلع في السنوات المقبلة إلى تفاعل استثنائي من الدول الأعضاء، موضحا أن الدورة المقبلة ستشهد وضع استراتيجية لا تكتفي بالتخطيط المرحلي، بل تستشرف كذلك متطلبات ما بعد عام 2030 . وأشار إلى أن الإيسيسكو بادرت إلى إدماج أهداف التنمية المستدامة في صميم استراتيجيتها للفترة 2026-2029، وربطها مباشرة بمنظومة الحوكمة المؤسسية وآليات اتخاذ القرار.
وبعد انتخابه مديرا عاما للإيسيسكو ، ألقى الدكتور سالم المالك كلمة في جلسة حضرها رئيس جمهورية تاتارستان السيد رستم مينخانون ، قال فيها " نحن اليوم شهود على ميلاد حقبة زمنية جديدة ، لا لعلو صوت طبول الحروب و الصراعات العالمية التي شغلت الناس. و لكن نعم لعلو صوت التحولات الحضارية البنيوية التى تفتح في كل يوم للدنيا صفحة جديدة من مزيج الدهشة و الحيرة و القلق و التلهف و الأمنيات." وأكد أننا اليوم في عالم بات الذكاء الاصطناعي يقلب أفكاره و تصوراته و توقعاته ، وعالم تبدلت خيارات الاستثمار فيه و تحولت أنماط الوظائف و الأعمال ، بات يشهد صعود قوى جديدة إلى منصة التأثير الدولي بفضل تبنيها نهج الصناعات المؤثرة و القيادة الواعية.
يفهم من هذا التصريح أن الإيسيسكو مقبلة على الانتقال من مرحلة "إعادة الهيكلة" التي ميزت الولاية الأولى، إلى مرحلة "التمكين وحصاد النتائج" في الولاية الثانية، لترسيخ مكانتها بيت خبرة رائد في مجالات اختصاصها. كما يفهم منه أن الإيسيسكو ستواجه تحديات كيفية تحقيق الاستشراف الاستراتيجي لما بعد 2030 ، خاصة وأن التخطيط لم يعد يقتصر على المدى القريب، وبالتالي أصبح لزا ما على الإيسيسكو وضع خطط استباقية لما بعد عام 2030، تضمن جاهزية دول العالم الإسلامي لمواجهة التحولات الكبرى في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. كما سيكون من الضروري تعزيز القدرة على التكيف مع مختلف الأزمات الطارئة من خلال نماذج حوكمة مرنة.
رهانات استراتيجية
سيتعين على الإيسيسكو تطوير أساليب الريادة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من خلال تفعيل الدبلوماسية الرقمية بواسطة تدريب الأطر في الدول الأعضاء على استخدام الأدوات الرقمية في العمل الدولي. كما ستواصل من دون شك الاهتمام بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي من خلال وضع أطر قانونية وأخلاقية تتوافق مع قيم العالم الإسلامي وتضمن الاستفادة الآمنة من التكنولوجيا . وستكون الإيسيسكو مطالبة بالموازنة بين الهوية والانفتاح بواسطة تربية الأجيال القادمة على الاعتزاز بجذورهم الإسلامية مع تملك أدوات الحوار الواعي مع الثقافات الأخرى ، إضافة إلى مواصلة تنفيذ برامج حماية التراث ومواجهة التغير المناخي ، وبرامج تمكين الشباب والنساء ، وتقليص الفجوة المعرفية. وسيكون على الإيسيسكو الاستمرار في برنامج "الإيسيسكو التي نريد"، والعمل على مواصلة الفوز بالاعتمادات الدولية من خلال الحصول على المزيد من شهادات الجودة العالمية (ISO) في الإدارة والمالية لتعزيز ثقة المانحين والشركاء الدوليين ، والانفتاح على القطاع الخاص من خلال تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم المشاريع التربوية والعلمية.
مما لا شك فيه أن المرحلة القادمة للإيسيسكو هي مرحلة "التمكين والاستدامة"، حيث لن يكون المطلوب منها فقط أن تكون مجرد منظمة تنسيقية، بل "بيت خبرة" عالمي ينتج المعرفة ويقدم حلولاً عملية للتحديات التي تواجه المجتمعات المسلمة في ظل ثورة البيانات والتحولات الجيوسياسية. إن ما يبعث على الثقة والأمل في أن الإيسيسكو بقيادة مديرها العام الدكتور سالم المالك قادرة على كسب الرهان والتغلب على هذه التحديات ومواصلة الانتقال إلى آفاق جديدة ، هو في المقام الأول الدعم المالي والمعنوي المتواصل والمنتظم للدول الأعضاء قاطبة بواسطة الالتزام بسداد المساهمات المالية بانتظام . من شأنه ذلك أن يمكن الإيسيسكو من تنفيذ برامجها الطموحة، والمشاركة الفعالة في مؤشر الإيسيسكو للذكاء الاصطناعي لقياس وتقوية جاهزيتها الرقمية، والتعاون في مجال الدبلوماسية الرقمية لتعزيز حضور العالم الإسلامي في المحافل الدولية .
سيتعين عى الإيسيسكو مواصلة جهودها في مجال رقمنة التراث والمخطوطات لحمايتها من الاندثار أو التخريب، وتسجيل المزيد من المواقع التاريخية والعناصر الثقافية على قائمة التراث في العالم الإسلامي، وتعزيز الحوار الحضاري لمكافحة خطاب الكراهية وتقديم الصورة الحقيقية والقيم السمحة للثقافة الإسلامية. إن تظافر جهود الدول الأعضاء مع رؤية الإيسيسكو الجديدة في الفترة القادمة سيسهم بلا شك في بناء مجتمعات معرفية في العالم الإسلامي قادرة على الصمود والازدهار في القرن الحادي والعشرين. تلك الرؤية التي تتمثل في خطة عمل إستراتيجية مستشرفة اعتمدها المؤتمر العام ووافق على تنفيذها خلال الفترة 2026-2029 ، بل وما بعد سنة 2030 . وهي خطة أكد الدكتور سالم المالك في كلمته أمام أعضاء المؤتمر العام أنه تم إعدادها وفق آليات الاعتماد الدولي الذي حظيت به في مجال الحوكمة و الإبداع ، و هى شهادة الإطار ISO/UNDP PAS 53002:2024 ، لتكون إيسيسكو بذلك ، من أوائل المنظمات الدولية التي حققت مواءمة مستقلة معه، من خلال مسارات قابلة للقياس والتدقيق، تضمن تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى أثر حقيقي تنموي موثق .
________________
المحجوب بنسعيد/ الشبكة الدولية للصحافيين العرب والأفارقة



.jpg)
