جاء الرفض المفاجئ من طرف مجلس الشيوخ الموريتاني هذا المساء لتعديل الدستور بمثابة زلزال سياسي في البلاد، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمدى الذي ستصل إليه هزاته الإرتجاجية.
ليلة السادس والعشرين من أكتوبر 1988، كانت ليلة رطبة باردة، مسكونة بالأشواق والحنين إلى وطن كان يرفض أن يغادرنا ونحن نغادره، اكتظت قاعة الركاب الوحيدة في مطار نواكشوط القديم المحاذي لبرج المراقبة، بعشرات الأجساد النحيلة المتوثبة لبداية رحلة أخرى من رحلات العمر،
ب. تعاطي النخبة مع الشأن الوطني في عهد الانقلاب:
كنا قد بدأنا في الحلقة الماضية بتعريف النخبة تعريفا علميا، لكون أزمتها هي مناط بحثنا، ولما لدورها من أهمية في المجتمع؛ وربطنا طبيعتها وعملها بماهية الثقافة التي تحملها، (ويحملها المجتمع من حولها) وقدمنا على ذلك نموذجا نخبة الاستقلال.
الريسوني يري أن (جلبابية) العلامة الشيخ عبد الله بن بيه علامة علي مغربيته،وهو أمر بدهي العوز، والعوز هنا لمن يعرف لسان العرب تعني الحاجة واختلال الحال، فلو كانت الدراعة والملحفة جنسيتان لكان جنوب المغرب وشماله موريتانيان،.
حكاية الرئيس المنصرف، الذي يعانق خليفته بحرارة ثم يشق طريقه مبتسما من القصر إلى دفء بيته وعائلته، تحت الأضواء وبين حشود الجماهير والمصورين، هي ضرب من الخيال، لم يعرف له تاريخنا السياسي طعما، كل رؤسائنا يأتون القصر فجرا وهم يتسللون وحين يرحلون لا يكون لديهم الوقت الكافي ليودعوا أحدا.
حتى الآن لا يُعرف هل يكتمل التعديل المنشود، خصوصًا أن مرحلة تصويت مجلس الشيوخ قد لا تكون مضمونة، إلا أن ما يجري في هذا الاتجاه يؤكد توريط الوطن في مسار انقلابي تلاعبي صرف، للأسف البالغ.
البرلمان بمثل هذه التصرفات، وخصوصًا على مستوى الجمعية الوطنية، يعكس ويُعبر بوضوح عن جهة ولائه.
وخز الإبر.. لمن لا يأخذ الدروس، و لمن لا يستخلص العبر؟ راهن الواهمون علي أن البرلمانيين والشيوخ الذين هم الكتلة التشريعية للنظام، سيخرج منهم عن الإجماع عناصر يرفضون إجازة التعديلات الدستورية ، التي أقرت في الحوار الشامل الأخير،ولكن بدا أن هؤلاء (المغاوير)،.
في سياق رصدنا لتطورات الساحة الوطنية ضمن الظرفية الراهنة -التي تتميز بكونها لحظة تأسيسية فارقة- تساءلنا في مقالين سابقين: "هل بدأ فعلا العد التنازلي لحكم الرئيس عزيز؟".